هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟


هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟

وزارة الثقافة العراقية تطبع أعماله الكاملة تحت إشراف لجنة مختصة


الأحد – 22 ذو الحجة 1442 هـ – 01 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [
15587]


الشاعر محمد مهدي الجواهري

عارف الساعدي

في هذه الأيام تمر الذكرى الرابعة والعشرون لرحيل الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، وهي فرصة ليست فقط للاستذكار، قدر ما هي محطة للمراجعة ولزرع أكبر عدد من بذور الأسئلة التي تخص ميداننا الثقافي والأدبي على وجه التحديد.
أولى هذه الأسئلة، كم سيبقى الجواهري حياً في وجدان الذاكرة الثقافية العربية والعراقية؟ هل يستطيع أن يقاوم صدأ الأزمنة التي تأكل كل شيء؟
ما هي مقومات البقاء والخلود للجواهري؟ هل الأمر مرتبط بشعره وقوته؟ أم أن الأمر مرتبطٌ بحياة الناس والسياسة وتقلباتها؟
هل البقاء والخلود النسبي للشاعر له علاقة بالشكل الكلاسيكي أم لا؟ بمعنى هل يمتلك الشعر العمودي سطوة البقاء أكثر من غيره من الأشكال الشعرية؟ أم أن المقارنة ليست في محلها؟
يأتي الحديث عن الجواهري، حيث استعادت وزارة الثقافة العراقية من جديد حضوره الكبير، حين شرعت في طباعة أعماله الشعرية الكاملة فخرج ديوان الجواهري بطبعة جديدة مزيدة ومنقحة وتحت إشراف عدد من أساتذة الأدب المعروفين (حسن ناظم، سعيد الزبيدي، سعيد عدنان، نادية العزاوي، رهبة أسودي). هذا يعني أن الجواهري يحضر بين مدة وأخرى في الوسط الثقافي والاجتماعي؛ مما يعني أيضاً أنَّ حديثاً جديداً سيدور عن الجواهري، وبالفعل كلما رأوا الديوان بدأت الأسئلة تُطرح حول شعره، وهل وجدتم جديداً له؟ وكم قصيدة وجدتم؟ ولماذا أضفتم قصائد لا يرغب فيها؟ ومن هذه الأسئلة الكثير الكثير، وهي في الواقع أسئلة تُسهم في إعادة الجواهري بقوة للوسط الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، ذلك أن طباعة ديوان الجواهري أغرت رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح في أن يكتب تغريدة عن طبعة الديوان الجديدة، وهذا يعني أن الجواهري يحضر سياسياً وبقوة، فما هي أسباب القوة التي يمتلكها الجواهري لكي يحضر بهذا الشكل؟
البعض يعزوها للعمر الطويل الذي عاشه، وهو عبارة عن قرن من الزمن، رافق فيه ولادة الدولة العراقية ونمو المجتمعات، وشاهد الانقلابات والصراعات، وكتب عن كل شيء مر بهذا البلد، فضلاً عن مشاركاته الوجدانية في معظم الأحداث العربية والعالمية، فهو دائم ودائب الحضور في كل مناسبة، ولكن هل يستطيع شعر المناسبات أن يكون حائطاً قوياً يستند إليه صاحبه؟ لا أظن أن لشعر المناسبات طاقة كبيرة تمنح صاحبها خلوداً كبيراً، فهي في العادة مرتبطة بالحدث، فبمجرد زوال الحدث ستزول القصائد معه؛ لذلك نحن لا نتذكر الجواهري كثيراً في تنويمة الجياع، أو قصائده في جمال الدين الأفغاني، أو في عبد الكريم قاسم، أو جمال عبد الناصر أو أو أو أو، هذا يعني أن شعر المناسبات سبب رئيسي لنسيان الشاعر لا خلوده، وكلما كان الشاعر مرتبطاً بالأحداث والمناسبات والشخوص ستقل كثيراً أيامه في ذاكرة الزمن، إلى أنْ يختفي اسمه نهائياً.
البعض الآخر ينظر للجواهري مؤرخاً للأحداث التي مر بها العراق، وقد درسه أحد الباحثين، ولكن في قسم التاريخ وليس في الأدب، مستعيناً بقصائد الجواهري في تحليل الظاهرة التاريخية، من مظاهرات أو تحالفات مع الإنجليز أو أحداث كبرى مرَّ بها البلد، فكتب الجواهري فيها قصائد، ولكن نسأل أيضاً… هل الجواهري مؤرخ؟ ما الذي سيبقى من القصائد لو قُرئت على أنها أحداث تاريخية؟ قطعاً ستذبل أوراق القصائد تلك، وستكون أداة بيد المؤرخين بوصف القصيدة شاهداً على حادثة ما يُستشهد بها فقط لتأكيد الحادثة لا غير، وهنا سيكون الشعر عاملاً مساعداً للمؤرخ، في حين أن مكان القصيدة في الأمام، ولا يليق بالشعر أن يكون شاهداً في محكمة الحياة، إنما هو محرك للأحداث وصانع لها.
عددٌ آخر ممن رأى الجواهري وسمعه يتحدث عن عنفوان شخصيته وتمردها ومزاجها الحاد، وهي مواصفات شعرية تمنح صاحبها هيبة ورهبة بالنسبة للآخرين؛ وبهذا حين يتحدث من شاهد الجواهري بهذه الصفات فإنه يمنحه طاقة أخرى مضافة إلى قصائده، ولكن أيضاً لنا أن نتساءل كم سيبقى ذلك الحديث طرياً عن شخصية الجواهري؟ وها هم شهوده الذين رأوه بدأوا يغادرون واحداً تلو الآخر، وإلى متى ستكون شخصيته جزءاً من بناء قصيدته ليلتف بكل هذه الهالة من الكبرياء والخلود؟ لا أظن أن الحديث عن شخصية الشاعر سيعيش طويلاً، لأنني ازعم أن الشخصية ذات الصفات الشعرية من حدة المزاج، أو عصبيته، أو عنفوانه، لن تُسهم هذه الصفات بعد رحيل صاحبها بحقن النصوص بها؛ لأن النص سيبقى عارياً أمام متلقٍ لم ير الجواهري، وحتى لم يسمع عن شخصيته الكثير، ولن يهمه هذا الأمر إن كان الجواهري عصبياً أو بارد الأعصاب، لاهياً أو جاداً، مؤدلجأ أو مستقلاً، صادقاً أو كاذباً، ستختفي كل هذه الصفات لتبقى قصيدته بين يدي شاب ولد بعد مائة عام من ولادة الجواهري، أي بعد عامٍ من وفاته، شاب خال من كل هذه الالتباسات التي تسهم بتلقي القصيدة، وظروفها، وظروف صاحبها.
فما الذي يبقي الجواهري نابضاً بعد حركة الشعر الحر «التفعيلة» حركة الحداثة الأولى، ومن ثم حركة الحداثة الثانية «قصيدة النثر» ومئات الشعراء الذين أغرتهم فكرة التجريب في الشعر، فجرّبوا عشرات الأشكال، وبطرق مختلفة في التعبير والأداء في القصيدة العربية، وربما كُتبت مئات وآلاف البحوث والدراسات عن الفتوحات في الشعر العربي على أيدي شعراء الحداثة أكثر بمئات المرات مما كتب عن الجواهري، ولكن في النهاية حين يذكر الجواهري سنكون بإزاء صمت مطبق على بقية الأسماء.
إذن، ما الذي يبقي الجواهري متقد الحضور بيننا ونحن في بعض المرات نقرأ له نصوصاً ننقدها بوصفها نصوصاً كلاسيكية والبعض منها تقليدي، والبعض الآخر منها نصوص لغوية فقط خالية من الصورة، ولكننا نتذكر له إضاءات مهمة فيعود الجواهري للواجهة.
وهذا السؤال هو سؤال يصلح لكل الشعراء الذين خلدوا في الوجدان العربي وقاوموا الأزمنة التي مرت عليهم من امرئ القيس مروراً بأبي نواس وأبي تمام والبحتري، حتى نصل إلى الأهم وهو المتنبي ومن ثم المعري والشريف الرضي وصولاً إلى الجواهري، الذي يرتبط بخيط خفي وظاهر مع هذه المسبحة الذهبية، التي يسبِّح بها العالم العربي، فكيف استطاع الجواهري أن يكون خرزة ذهبية تضاف للخرز الموجودة في مسبحة الشعر العربي؟
بصراحة، أنا لا أملك إجابات محددة لهذا الموضوع؛ لأنه واسع ومتشعب ولا يمكن أنْ تستوعبه مقالة واحدة؛ لأن مثل هذا الحديث يجب أنْ يكون علمياً وغير خاضع للأمزجة والتكهنات فقط؛ فالجواهري لحد هذه اللحظة هو مؤثر وفاعل، وحاضر حضوراً قوياً في المشهد الشعري العربي، وكأن كل موجات الحداثة لم تؤثر عليه، ولم تستطع أن تغير المتلقي نحوه، فما زال حاضراً حتى في السوشيال ميديا، حيث تحولت العديد من مقاطعه الصوتية وقصائده إلى فيديوهات محفوظة في أجهزة «الآي فون» بيد الشباب، قصائد كلاسيكية في فيديوهات مصورة محفوظة في أحدث تقنيات التواصل الاجتماعي، في حين عجزت نصوص الحداثة من أن تكون جملة واحدة في التقنيات الحديثة، لماذا؟ أسئلة عديدة يمكن أن نطرحها على تجربة الجواهري الكبيرة، رغم أني ذكرتُ مرة أن الجواهري سيبقى منه القليل من الشعر، وستذهب نصوصه في السياسة ومعتركها دون ذكر، سيحتفظ التاريخ بنصوصه النافرة والمتمردة التي كُتبت للشعر فقط، ولا وظيفة لها غير الشعر، ستبقى «يا نديمي، والراعي، وأم عوف، وبائعة السمك في براغ» وقصائد آخر بهذه الطريقة نفسها التي تكون القصيدة مكتوبة للشعر فقط، ولا غرض من ورائها إلا الشعر، ستبقى نصوص الرؤيا التي يتمتع بها الجواهري والتي يعبّر فيها عما سيكون في المستقبل؛ إذ إن مثل هذه النصوص ستعيش طويلاً معنا ومع همومنا، ولكن إذا تغير الحال، وأصبحت بغداد مثل باريس أو سويسرا أو استوكهولم هل سنجد شباباً يقرأون أبياتاً تقول:
«سينهض من صميم اليأس جيلٌ» أو لنفترض أننا في المستقبل سنكون إزاء حكّام عرب ديمقراطيين هل سنردد قول الجواهري:
«باقٍ وأعمار الطغاة قصار» أو حين يكون الوطن جنة للجميع ولا مغترب في أي بلدٍ هل سنردد «حييت سفحك عن بعدٍ فحييني»
هل الشعر كما يقول أبو عمرو بن العلاء «نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير فسد ولان»؟ هل يصلح الجواهري شاعراً في البلدان الديمقراطية السعيدة؟ أم إنه موكولٌ بنا نحن الأمم المنكسرة التي لا تملك غير الصوت العالي؟



العراق


Art





Source link

بَدْر حسن طلب شعر

بَدْر

حسن طلب

شعر

هو المخبوءُ في أعطافِها
وهي الزَّبرجدةُ….
القصيدةُ بنت عَيْنيْها
ومن آلائِها: اللغةُ المجسَّدةُ….
النَّدَى العُذريُّ من يدِها
وأسرارُ المحبِّينَ المجدَّدةُ….
الزَّنابقُ رمزُها
والأرنبُ البريُّ صاحبُها
ومن أشيائِها: الكرةُ….القرنْفُلةُ….
الدُّمَى الورقيَّةُ….الصُّورُ المظلَّلةُ….
الهواءُ العاطفيُّ هديَّةٌ من ذاتِها
والنّسمةُ العذراءُ من أدواتِها
بيتُ الشُّعاعةِ والشَّذا الضوئيّ:
في شُبَّاكِها
لكنَّ بيتَ البدرِ في مرآتِها
من طِبِّها: جعْلُ القلوبِ مريضةً
حتى تصحَّ بما سينْفُذُ
في سُوَيْداواتِها!
من أهلِها: العُرَفاءُ والرَّاءُونَ….
من أخواتِها: ليْلَى ولُبنَى…
من فواكهِ صمتِها:
تفاحةُ المعنى!
ومن شطحاتِها:
حمْلُ اللغاتِ على مُباهلةِ الغرامِ…
وأخذُها للحُلمِ من قبلِ المنامِ….
ورشُّها برذاذِ ماءِ الشِّعرِ…
واسْتدراجُها بعد القيامِ….
وجذْبُها في السِّرِّ من واواتِها!
حتى إذا انجذَبَتْ
أعادتْ للحروفِ رفيفَها
جمعَتْ إلى حاءاتِها: باءاتِها!
ومضَتْ تقولُ….
فكان أوَّلُ قولِها: (أهْوَى)
ومن أسمائِها: (ثَرْوَيَ)
وكلُّ الثَّروَياتِ…
أتيْنَ كي يقبِسْنَ من مِشكاتِها:
سُعْدَى…زُليخةُ…فَوْزُ….بِلقيسُ
الرَّبابُ….لميسُ
هندُ…سُعادُ…عزَّةُ….دعْدُ
أَرْوَى

حسن طلب مجلة العربي مايو 2004

لعبة الصحو

لعبة الصحو

أحمد الشيخ

كنت ألاعب الجهاز أول دور شطرنج وأشعر أنه يتباطأ بعد خسارة أي قطعة, يتباطأ حتى يشعرني بالملل, كنت في السابق قد لاعبت العشرات ممن يتباطأون في اللعب, لكنني كنت أملك الحق في استعجالهم أو الاستشهاد بمن يتفرجون كي يشجعوهم أو يحرضوهم على اللعب أو حتى يسخروا منهم, وكنت في كل الحالات أخرج من المأزق بفضل تلك اللغة المشتركة التي يتبادلها البشر ممن يتفرجون أو يلعبون أو سوف يلعبون, لكنه في حال الشطرنج لم تكن هناك لغة ولا خواطر ولا خجل ولا أحاسيس, كنت أواصل اللعب معه متحاملا على نفسي وقائلا لها في الوقت نفسه إنها مجرد لعبة من بين مئات اللعبات التي يمكن تشغيلها على الجهاز نفسه, سباقات سيارات ودراجات بخارية في طرق وجبال وعرة وغابات ومباريات مصارعة حرة ودورات كروية وعبور غابات فيها وحوش ضارية وحيّات وصعود جبال أو الغوص في محيطات ودخول متاهات وتخطي حواجز مستحيلة, عشرات ومئات من الألعاب انشغل بها عيالي بمثل ما انشغل بها أصحابهم وجيرانهم, كأنها منافسات رياضية حقيقية أو مغامرات بشرية أو مباريات فعلية, بينما كنت أراها محض ألاعيب لإزجاء الوقت ولم أكن متحمسا لمعرفة قوانينها بمثل ما كانوا يتحمسون, ربما لأنها كانت بحساباتي لا تحتاج إلى ذكاء بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة تحفظ الشفرة الخاصة بكل لعبة وأصابع مدربة على الحركة فوق المفاتيح بخفة لا أملكها, ولابد أن العيال جاملوني بإضافة لعبة الشطرنج التي سمعوا مني في السابق كلاما كثيرا يؤكد عشقي لها وبراعتي في تحريك القطع لأحاصر ملك الخصوم أو أحسن الدفاع عن مليكي, كانوا يتأملونني ويتبادلون النظرات وكأنني كائن من كوكب آخر يضيع وقته الثمين, بحسب ما كانوا يقولون في لعبة وحيدة, بينما هناك في الدنيا مئات الألعاب المتاحة على الجهاز الذي امتلكوه, بعد إلحاح شديد لأشتريه لهم, مؤكدين أنه وسيلة معاصرة يلزم أن تدخل كل بيت لتخزين المعلومات وحفظ الوثائق المكتوبة, إضافة إلى إمكاناته غير المحدودة في الاتصالات وتبادل المعلومات مع كل الناس في أركان الكرة الأرضية, لم أكن أعترض على شيء مما يقولون, لأنني كنت قد قرأت عن الجهاز وسمعت من الأصدقاء الذين أدخلوه بيوتهم كثيرا من الحكايات التي تؤكد أهميته في زمن العولمة, وقد تحولت الكرة الأرضية بفضله إلى قرية صغيرة بحسب ما كانوا يؤكدون. لكنهم كانوا يضيفون أنه يتطلب بعض الحذر من أضراره ومخاطره ما لم يستخدم بوعي, كنت أجاريهم وأنتوي شراء الجهاز في أول فرصة أمتلك فيها ثمنه, وقد حدث أن حصلت على مكافأة لم أكن أتوقعها, فقلت لروحي (هو رزق العيال وقد بعثه الرزاق العليم من حيث لا تحتسب فاشتر الجهاز يا ولد).

كنت أراهم يتناوبون الجلوس أمام الجهاز, وقد حضروا دورات متكررة دفعت تكاليفها بحسب ما كانوا يرغبون دون أي تردد. لعلني لم أنشغل به في البداية, لكنهم دفعوني لأن أتأملهم وهم يتبادلون الخبرات ويتجادلون بخفة, وعندما أضافوا لعبتي المفضلة لجهازهم طالبوني بأن ألاعبه فلعلني أكسب وأثبت لنفسي ولهم أنني لم أنس خبراتي السابقة, قررت أن أدخل المغامرة, لكنني لاحظت أنه كلما خسر الجهاز قطعة تباطأ في اللعب, ولم يكن هناك بديل للصبر والتحامل على نفسي ومواصلة اللعب, وفي كل المرات التي أوشك على الفوز عليه لأبرهن لعيالي ولنفسي أنني مازلت كما كنت لاعب شطرنج عارفا بقوانين اللعبة وقادرا على الانتصار, كان الجهاز يكيد لي بالقطع لأنه بحساباتي كلما أوشكت على هزيمته أو كانت هناك نقلتان باقيتان لفوزي, فإذا بالصورة تتجمد تماما والقطع التي تخصني لا تطاوعني وتتأبى على الحركة, كان عيالي يحاولون بكل خبراتهم مع الجهاز تحريك الصورة لكنها كانت تظل ثابتة ثم يظهر مربع فوق قطعة الشطرنج مكتوب داخله رسالة اعتذار رقيقة لأن عطلا مفاجئا أصاب اللعبة وأنه من الممكن بداية دور جديد, أقول لروحي لأواسيها على الحرمان من نصر مؤكد بعد طول انقطاع عن اللعبة إنها ربما تكون مصادفة غير مدبرة, وأترك الجهاز لعيالي معتذرا عن طول الوقت الذي أجبرني لأضيعه عليهم وعلى نفسي دون نتيجة مؤكدة.

***

في الصحو كنت أستعيد خبراتي القديمة في الفوز على الأصدقاء والمعارف أو مَن يطلبون ملاعبتي دون سابق تعارف, أيامها كانت لعبة الشطرنج هوايتي الوحيدة, وبمثل ما كنت أصعد كل صباح درجات الطوابق الخمسة الأولى لمبنى المجمع الكائن في ميدان التحرير دون انتظار للمصعد لأوقع في خانة الحضور كنت أهبط الدرجات نفسها متعجلا على حريتي دون انتظار للمصعد, وأتمشى على مهل حتى أصل إلى مقهى الحرية, وغالبا ما كنت أسمع عبارات التهليل ترحب بوصولي أو تتوعدني بالهزيمة أو تعاود التحدي أو حتى تعلن الاستسلام قبل ملاعبتي, كنت أشعر بالنشوة وأمتلئ بالثقة في قدرتي على الفوز عليهم بكل مودة في نهاية الأمر, صحيح أن الأمور كانت تتأزم في الدور الأول وأخسره أو أخسر دورين متتابعين فأمضغ مرارة الهزيمة وأحس ببعض الانكسار وأتأسى لأنني لم أحسن الدفاع عن القطع التي خسرتها فانهزمت, لكن عنادي كان يركب رأسي ويدفعني دفعا لمواصلة اللعب حتى لو اعتذر من يلاعبني بشتى الأعذار, حتى لو تطوع زميل أو صديق بأن يلاعبني بديلا عنه, كنت أرفض وأواصل ركوب رأسي , وأصر على إجباره ليعاود اللعب دورا جديدا إن كنت قد خسرت دورا واحدا, أو دورين إن كنت خسرت دورين, كان الأمر يبدأ دائما بالرجاء المهذب الذي يدعوه لمواصلة اللعب أو بالترغيب لأنه سوف يكسبني مرة أخرى أو مرتين بحسب الحال, فيحصل على لقب ملك الشطرنج في مقهى الحرية, وكان الأمر يصل أحيانا إلى مشاحنات بأصوات مرتفعة ومجادلات حول حقي في التعويض بعد الخسارة أو حق الآخر في الاكتفاء والانصراف لشأنه بحسب ظروفه, يتوسط العقلاء من كبار السن من رواد المقهى القدامى ومنهم من فاز بلقب ملك شطرنج مقهى الحرية في الزمن القديم ويعرفون تفاصيل اللعبة, ويستشعرون مواجع المهزوم ويرغبون في أن أعوّض خسارتي, كأنهم بوقوفهم في صفي ودعم موقفي يعوّضون خساراتهم القديمة للقب, يتطوع أحدهم برص القطع على الرقعة ويبرع آخر في إجلاس من كان يبتغي الرحيل سالبا نصره مني سلبا وراغبا في الفرار بحساباتي وحساباتهم, يستسلم خجلا أو إشفاقا أو رغبة في الخلاص من الموقف أو إظهاراً للروح الرياضية السمحة, أشعر بالنشوة وأحزم أمري عازما على تعويض خسارتي, نبدأ الدور الجديد وقد تزايد عدد المشاهدين, فأشعر بأنني صرت مسئولا أمامهم وأنه يلزم أن أنتصر, أستجمع قدراتي وتواريخ انتصاراتي وأنتوي الفوز عليه على نحو مباغت يستفزه ويدعوه لمطالبتي بملاعبته دورا جديدا واهما أنه سوف يحسم الأمر لمصلحته, لكنه في أغلب الحالات كان يخسر وأستعيد أنا ثقتي بنفسي بعد أن اهتزت بعض الشيء, يتأكد للجميع أنني قادر على التعويض والنصر في نهاية الأمر, وأنني ألعب الشطرنج بروح مقاتل له ثأر يلزم ألا يفرط فيه مهما كانت المصاعب, ساعتها أشعر بجوع حقيقي رغم شبع الروح بالفوز في النهاية, ووسط تهليل الاستحسان ممن كانوا يشهدون أنسحب من المكان وأتوجه إلى المطعم المجاور لأتناول وجبة الغداء صحنا من الفول المدمس أو العدس وربما أقراص (الفلافل), وأحيانا كنت أعبر الميدان وأدخل المطعم الفسيح المتخصص في تقديم وجبات من المخ والكبدة المقلية, ومازالت ساخنة ومعها سلطات ومخللات فاتحة للشهية المفتوحة, أشعر بالامتلاء وأتمشى على مهل حتى أصل إلى مسكني الكائن في شارع خيرت قريبا من مقام السيدة زينب, يبدو أن المدينة أيامها كانت أكثر براحا برغم امتداداتها المؤكدة في كل الاتجاهات وما انضاف إليها من أحياء يسكنها بشر كثر, كنت أستمتع بالسير في أمان, أتأمل, البنايات والناس ولافتات الدكاكين والمؤسسات وكلها يشع عبقا إنسانيا ومودة بلا مقابل, كنت في تلك المشاوير أتخيل حركة الناس على الأرض وكأنها بيادق أو عساكر, أفيال وأحصنة وقلاع أو وزراء وملوك, ولابد أن كثرة اهتمامي وممارسة لعبة الشطرنج سيطرتا على خيالي وجعلتاني أفكر على هذا النحو الغامض, وكان الأمر يبدو لي أحيانا وكأنه مقدمات جنون, جنون تقسيم حركات البشر على النحو الذي يحدث فوق رقعة الشطرنج, لكن الأمر كان على نحو ما داعيا للتأمل, فالعسكري الشجاع يموت في الحرب غدرا أو عجزا عن الدفاع عن نفسه, لكنه يتقدم للأمام بجسارة وينتصر وربما يترقى إذا أحسن المسئول تدريبه وتسليحه وإفهامه أنه يدافع عن وطن, والوزير الذي يتحرك على قطعة الشطرنج مطلق الحرية لأي مسافات وفي كل الاتجاهات رغم أنه دمية يتشابه على نحو متعسف مع بعض الوزراء في كل أنحاء العالم, تكتب سيرهم بحسب ما يقدمون لشعوبهم وملوكهم بالسلب أو بالإيجاب, أما ملوك الشطرنج فيتميزون بالوقار في خطواتهم وغالبا ما يحكمون ولا يتحكمون كما يجب أن يكون, ومثلما يتقافز بعض البشر على أكتاف الخصوم تفعل الخيل الجامحة التي تركل بسنابكها كل ما يعترضها, كنت أرى أيضا بعض البشر الفانين يبرعون في الدوس والدهس والفرم بغلظة فوق الأبدان كأنهم أفيال ملك الحبشة المتوجهة لهدم الكعبة في الزمن القديم فتوقفها الطيور الأبابيل وترميها بحجارة من سجيل, لكن أفيال هذا الزمان تفلت وتدوس وتدمر وتترك خلفها الخراب والأشلاء دون أن يحاسبها أو يوقفها أحد, أما القلاع والطوابي فهي إما هزيلة سهل تدميرها على رءوس حراسها أو شامخة تتأبى على جحافل الأعداء, تصدّها وترسل في أعقاب فلولها المنكسرة فرسانا يلقنونهم آخر درس كي يكفّوا عن معاودة الحصار.

دعونا من قوانين اللعبة شبه الشائعة والتي كنت أجيدها في الزمن القديم على طريقتي الخاصة, انكسار يعقبه صحو وانتصار, وكل من يتعايشون معي في المقهى نفسه في ذلك الزمان البعيد يعرفون أنه من النادر أن أكسب أول دور رغم براعتي المشهود بها, ربما كنت في داخلي شخصا لا يميل إلى حصار الآخرين أو الاعتداء عليهم أولا, كان البعض منهم يقول في حضوري أو غيابي إنني برغم براعتي التي تتبدى لهم في نقلي للقطع وبرغم أنني أكسبهم جميعا فإنهم كانوا يدركون ويعلنون أنني لو دخلت أي مسابقة رسمية لخرجت من التصفيات الأولى, ومن ناحيتي لم أكن أهتم, كنت أرغب في أن أكون لاعبا له نفس طويل, يدركون أنني مسالم, ولكن بغير استسلام, أرد العدوان وأهزم مَن يعترضون مساري, لكن الشطرنج الآلي حيّرني في أمره وأمر نفسي, كان في كل الأدوار التي أخسرها حريصا على تسجيل انتصاره, ومن ناحيتي كنت أجاهد لاستعادة براعتي القديمة بعد الهزيمة الأولى أو الثانية, أباغته بحركات غير متوقعة وأحاصره بحيث لا يكون له مهرب بعد نقلة أو نقلتين, ساعتها كان يتباطأ إلى حد الإملال ثم تتوقف حركة الجهاز تماما, لا يطاوعني أو يطاوع عيالي ليتيح لي فرصة الفوز عليه, يظهر المربع نفسه فوق رقعة الشطرنج مكتوب بداخله اعتذار رقيق عن عطل مباغت ويطلب مني أن أبدأ دورا جديدا, كنت في البداية أطاوعه قائلا لنفسي إنه جهاز عجيب ومراوغ ولابد أن أكف عن ملاعبته, أتصور أن يكون مبرمجا على عدم الاعتراف بأي هزيمة في لعبتي المفضلة على وجه التحديد رغم أن الأمر في أوله وآخره لعبة, ويوما في إثر يوم كان يستفزني ويجعلني أرفض تفسيري القديم بأن الأمر مجرد مصادفات غير مدبرة, أسأل نفسي كيف أن هذه هي اللعبة الوحيدة التي تهدف إلى إفقاد ذي خبرة مسبقة مثلي كل ثقة في قدراته على مشهد من زوجته وعياله? هل كنت خصما يلزم القضاء على طموحه بالحسرة على وعيه القديم بعد الهزائم المتكررة دون أمل في نصر وحيد? كنت أسرح بخيالي وأقول إنه جهاز غريب ومبرمج يترصد الخصوم ويتوعدهم بالقضاء على أحلامهم رغم أنه في نهاية الأمر آلة, وأتساءل إن كانت لعبة بريئة في نهاية الأمر يمكن أن تتعامل مع مواطن مسالم باعتباره عدوا أو خصما يلزم تصفيته? وهل كتب لاعب محترف هزمتُه ونسيتُه تقريرا ملفقا عن نشاطي في السابق أو مشاركتي في أحداث شغب خطيرة مضادة لتوحيد العالم في تواريخ بعينها برغم وجودي وبشكل مؤكد في نفس مقر عملي بمبنى مجمع التحرير ما أزال? وإذا كان هذا الجهاز نفسه هو الذي يلجأ إليه عيالي لمعرفة ما يدور في كل أنحاء العالم في اللحظات نفسها وبكل دقة, فكيف يكون كاذبا وهو الذي ينقل لنا صور الدبابات تفرم أبدانا في شوارع ساكنة وخالية يكتم الأطفال فيها أنفاسهم رعبا ويتأكد تقسيم الكرة الأرضية إلى أقوياء بشكل مطلق وضعفاء بشكل مطلق, رغم أنها قرية صغيرة تختلف فيها العادات واللغات والعقائد منذ البداية?

كانت كل هذه الأفكار تراودني في أعقاب كل دور ألعبه وأوشك فيه على الفوز فتتجمد الصورة ويقهرني المربع الآسف نفسه بأدب جمّ عن العطل المباغت فوق رقعة الشطرنج, يدعوني إلى بداية جديدة فأفعل, أقول لنفسي إنني صرت له صيدا حلالا يستحق الهزيمة الأبدية والانكسار, لكنني من داخلي كنت أثق أنه سوف ينهزم في القريب وأنني بالقطع سوف أفك شفرة اللعبة في الزمن الآتي أو يفكها عيالي.

أحمد الشيخ مجلة العربي مايو 2004

أمين معلوف في كتابه الجديد: أغنية الحب المستحيل

أمين معلوف في كتابه الجديد: أغنية الحب المستحيل

نهلة بيضون

يطالعنا الأديب اللبناني أمين معلوف في كتابه الأخير (الحب عن بعد) بعمل مختلف عبارة عن مغناة تدور أحداثها في القرون الوسطى. وتروي إحدى قصص العشق بين أمير فرنسي وكونتيسة طرابلس, في أواسط القرن الثاني عشر.

جوفري روديل ليس شخصية من نسج الخيال وإنما هو شاعر من الشعراء الجوالين, الذين عاشوا في فرنسا القرون الوسطى. وقد تميّزت حياة البلاط والنبلاء الفرنسيين في أواخر القرن الحادي عشر بازدهار شكل جديد من أشكال الشعر الغزلي حلّ محل القصائد الملحمية التي كانت تشيد ببسالة الفرسان وتعدد مآثرهم. وعاش الأمير الشاعر جوفري روديل (1125-1148) في تلك الفترة, واقترن اسمه بأسطورة عشقه لكليمانس كونتيسة طرابلس. فقد راح الحجاج العائدون من بيت المقدس يلهبون مخيلة الشعراء بالحديث عن مغامراتهم, وفي معرض أحاديثهم, سمع أمير بلاي بكليمانس (واسمها أصلاً ميليندا). كونتيسة طرابلس, فسكنت خياله وأهداها أشعارًا بقي منها ست قصائد مشبوبة بشغفه وأشواقه. وتروي الأسطورة أن روديل انخرط عام 1147 في الحملة الصليبية من أجل السفر إلى فلسطين للقاء حبيبته. ولكن الرحلة البحرية كانت عسيرة بسبب العواصف, وتفشي الأوبئة, وهجوم القراصنة, وحين رست السفينة أخيرًا في مرفأ طرابلس, نقل العاشق العليل على محفة إلى أحد الخانات القريبة, فهرعت إليه الكونتيسة التي أعلمت بقدومه. ويقال إن الشاعر استعاد بصره لدى رؤيتها, وحمد الله لأنه أمهله ليمتع نظره بمرأى حبيبته, إلا أن جوفري وصل – مع الأسف – محتضرًا بعد فوات الأوان, ولفظ أنفاسه في أحضان الكونتيسة التي أمرت بدفنه في مأتم مهيب, ثم قررت دخول الدير لشدة حزنها وهول الفاجعة التي ألمّت بها.

تلك هي الأسطورة الأليمة والمؤثرة التي ألهمت أكثر من شاعر كان أبرزهم الشاعر الفرنسي إدمون روستان الذي استوحاها لتأليف مسرحيته الشعرية (الأميرة البعيدة).

الشاعر الجوّال

أما كلمة troubadour فتعني الشاعر الجوال, وتصف أولئك الشعراء الذين كانوا ينظمون القصائد ويقومون بتلحينها في منطقة اللوار جنوب فرنسا. وهي مشتقة من فعل troubar أي تنظيم الشعر باللغة الأوكسيتانية أو الفرنسية القديمة. وكان هؤلاء الشعراء يمارسون فنهم في قصور النبلاء خلال الفترة الممتدة بين أواخر القرن الحادي عشر وأواخر القرن الثالث عشر, وخلافًا للفكرة الشائعة, فهم ليسوا من المطربين الدوّارين, بل من السادة والنبلاء, وقد اشتهر منهم غليوم التاسع, أمير مقاطعة أكينين الفرنسية, ويقابلهم في شمال فرنسا نظراؤهم المعروفون باسم trouveres, وهم بمنزلة ورثتهم, وتتميز قصائد هؤلاء الشعراء بموضوعاتها الغزلية والبطولية إذ تتناول إلى جانب خصال الحبيب, وألم الفراق والبعاد, قيم الفروسية كالمروءة والبسالة والشهامة, وتتخذ أشكالاً متعددة منها الحوار, والهجاء, والرثاء, إلى الأنشودة الصباحية أو المسائية.

قامت الفنلندية كايجا سارياهو بتلحين هذه المغناة التي وضع نصها أمين معلوف, وقدم العرض الأول في 15 أغسطس 2002 في إطار مهرجان سالزبورج.

تتألف مغناة (الحب عن بعد) من خمسة فصول تتوزع أحداثها بين مقاطعة أكيتين, وعرض البحر وطرابلس. وقد استطاع أمين معلوف إنتاج نص أدبي راق, يبرع في استحضار مناخ الأسطورة وحميميتها, فيتحف القارئ بوصف بديع لتطور حال العشق لدى جوفري الذي يظهر أولاً, وقد عاف الملذات, توّاقًا لحب أسمى, يرسم صفات حبيبة وهمية, فيقابل بسخرية الأصحاب والخلان, وشيئًا فشيئًا, يصبح للحبيبة اسم وكيان بالرغم من بعدها ووجودها فيما وراء البحار, في ذلك الشرق الساحر. وتتنازع كليمانس, من جهتها, شتى الأحاسيس المتناقضة, فتستاء في بادئ الأمر لدى معرفتها بذلك الشغف الذي أثارته في قلب رجل غريب, ثم يهيج بها الحنين إلى ذلك الغرب الذي يذكّرها بطفولتها, فتتساءل إن كانت تستحق كل ذلك الهيام. ولاشك أن الفصلين الأخيرين يشكّلان تتويجًا مأساويًا بين جوفري الذي تفترسه الأوهام والشكوك. ولقاء الحبيبين الذي يتحول إلى فراق محتوم وقاتل.

الغزل العذري

يصف أمين معلوف هذا العشق المستحيل بلغة شاعرية رقيقة وإن لم ينظم نصّه شعرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة, فالحوار من قبيل الشعر المنثور الذي تنتظم مفرداته انتظامًا بديعًا يرخي بظلاله اللطيفة على سير الأحداث ويخدم تصاعدها الدرامي, فيجعل القارئ لها والمتابع لتطوّراتها, متلهفًا لساعة اللقاء المشهود بين الحبيبين, متعطّشًا لخاتمة هذا الحب العذري الذي يرقى بالأحاسيس إلى فضاءات سرمدية. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نذكر بأن الشعر العربي قد حفل بالغزل, وبالغزل العذري تحديدًا, في أشعار جميل بثينة وقيس ليلى. فما صفات الحب العذري? يرى شكري فيصل في كتابه (تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام) أن الحب العذري يتصف بالحرارة الملتهبة, والديمومة الدائمة, والعفة المحصّنة, التي تؤلف جوهر ذلك الحب الذي يجمع هذه الصفات في نفس واحدة, ثم يدعها تئن وتشكو, وتتضرّع وتتلوّى, وليس الغزل العذري إلا اعتصارًا لهذه الضراعة وهذا الأنين. ويضيف شكري فيصل أن الحب العذري ينطلق من أسر الغريزة ليعيش في آفاق العفة. ويفلت من تقلّب الأهواء ليتقلب في خلود العواطف وديمومتها, يؤثر الحرمان الذي يرهقه على اللذة التي تشينه. والعذريون هم هؤلاء الذين دعاهم الجمال, وأغرتهم اللذائذ, وثارت في نفوسهم الشهوات, ولكنهم انعتقوا من هذه الشهوات, وانصرفوا عن هذه اللذائذ, وتحصّنوا بالعفة, فلم يخشوا التعبير عن عواطفهم مادامت البراءة تغلفها والعفة تحميها, فانطلقوا يغنون عواطفهم وينشدون آلامهم وآمالهم.

لاشيء يرغب به روديل وكليمانس أكثر من أن يمتلك أحدهما الآخر, ولكنهما يخشيان الاستيقاظ من ذلك الحلم الجميل, فيكون مصيرهما, في نهاية المطاف, الموت والوحدة.

لاريب أن ترجمة هذا المناخ المشبوب بالعواطف الجيّاشة, وذلك الفيض الشعري المتألم, إنما تحتاج إلى ملكة تعبيرية تحسن البوح بمكنونات القلوب العاشقة بلا أمل, والإيحاء بما يعتمل في النفوس الخائفة الحائرة من اندفاع وانكسار, من رجاء وخيبة, ومد وجزر. وكما سبق أن أشرنا, يقدم لنا أمين معلوف هذا الحب الأسطوي, الآتي من زمن البراءة, بلغة تتسم ببساطتها وقوتها الإيحائية, فلا ينظم النص شعرًا, بل تسبغه شاعرية المناجاة ورقة الأحاسيس, لتنفذ الكلمات إلى وجدان القارئ وتطبعه بعظيم الأثر, فيتحوّل النص إلى وصف يتجاوز السياق التاريخي ليكتسب طابعًا شموليًا لمفهوم الحب المقهور في كل العصور. ومن هذا المنطلق, نرى أن اللغة التي يكتب بها معلوف تنجح في المزج بين أجواء القرون الوسطى والعصر الحديث, وتبعث فيها روحًا معاصرا, فالأديب الفرانكوفوني لم يختر ألفاظًا مهجورة, ولم يسع إلى حوار يغرق في تعابير متقادمة, بل أراد لنصّه أن يتفاعل مع المحيط المتلقي. وبالتالي, فقد استندنا إلى هذه القراءة اللغوية للنص الفرنسي من أجل تعريبه.

متاعب الترجمة

وكان همّنا الأول التماهي مع نوعية المشاعر الموصوفة, والانسياق وراء الدلالات المستترة, بحيث يأتي النص العربي على القدر عينه من رقة التعبير وسلاسته, إن أصعب ما يواجه المترجم هو الانتقال من الحال الذهنية إلى أرض الواقع, أي إعادة التعبير عن الشعور, أو العاطفة, أو الانفعال بحيث يتوهّج هذا الشعور أو ذلك الانفعال في اللغة التي سوف تحتضن النص وتسهم في تألق جماليته, وتكشف أبعاده الأدبية والفنية بكل روعتها. كان مسعانا تطويع الكلام لخدمة نوايا الكاتب ومغزى النص, في روحانيته وطبيعته المأساوية المتصاعدة والمتعاظمة مع انسياب الحوار الذي يتردد بين ثناياه شجن العشق, وحيرة العاشقين, بين رجل يرسم في مخيلته صورة لامرأة مثالية, تختلط فيها الأوهام والأحلام, وسيدة نبيلة تضطرب مشاعرها بمجرد أن تسمع بذلك الوله الذي تؤجج هي سعيره من بعيد. تذكرنا قصة جوفري وكليمانس بسيرانو دو جراك وحبيبته روكسان. فسيرانو بدوره, متيم بامرأة مستحيلة المنال, عاشقة لرجل آخر, فلا يملك سيرانو الشاعر إلا أن ينقل لها حبه من خلال حبيبها, فلئن انتفى الوصال المباشر, بلغت كلمات الشاعر مسمع الحبيبة, وأطربتها بعذب الكلام. يقول جوفري لصديقه الحاج: (أخشى ألا ألقاها وأخشى لقاءها). إنها كلمات بسيطة تختزن وتختزل تناقضًا هائلاً من الأحاسيس المتأججة, ولعل جوفري كان يخشى أن يكون اللقاء المرتقب نذيرًا لموت الحب. لقد حاولنا أن تأتي الترجمة على القدر عينه من التكثيف لمعاني النص, وراعينا أن يأتي بوح العاشقين لطيفًا, منسجمًا مع مراد النص الأصلي, فتبلغ الترجمة غايتها, أي الوصول إلى أسماع وأفهام القراء. ولاريب أن نقل أشعار جوفري كان المرحلة الأصعب. فقد اقتضت الترجمة الإصغاء إلى الإيقاع الدفين لهذه الأشعار, وانتقاء ما يتوافق وينسجم مع تناغمها الأصلي, فلنصغ إلى روديل يتغنى بمعشوقته: (لن أتمتع بحب/ما لم أنعم بذلك الحب البعيد/لا أعرف أنبل وأفضل منها/في البلدان القصية أو الدانية/إنها لمن العظمة والأصالة/بحيث, وددت, لأجلها/أن أكون أسيرًا, هناك, في مملكة العرب), أو يناجي السماء معربًا عن شكوكه: (أصدق ربي/الذي سأرى بفضله محبوبتي البعيدة/إنما لكل نصيب من الخير ألقاه/نصيبان من الشر لأنها نائية/آهٍ, لوددت أن أحجَّ إليها/لتتأمل عيناها عصاي وعباءتي).

(الحب عن بعد) عمل أدبي يذكر القارئ بزمن البراءة والفروسية والمروءة والتضحية في سبيل الحبيب, ويستحضر من القرون الوسطى نوعًا أدبيًا راقيًا فيعيد إحياءه في زمن أضحى البوح فيه ضنينًا ولغة الحب فقيرة ضحلة.

نهلة بيضون مجلة العربي مايو 2004

عندما يتقدم العمر بامرأة – ترجمة: ياسر شعبان

عندما يتقدم العمر بامرأة – ترجمة: ياسر شعبان

ج. م. كويتزي

إنها في زيارة لابنتها في (نيس), وهى الأولى منذ سنوات وسيلحق بها ابنها قادما من الولايات المتحدة ليقضي معهما أياما معدودات يحضر خلالها مؤتمرا أو أكثر.

شغلها أمر تراكم المواعيد, ولم تستبعد وجود نوع ما من التواطؤ بينهما لوضع خطة وتقديم عرض لها من ذلك النوع الذي يقدمه الأطفال لآبائهم عندما يشعرون بعدم قدرتهم على الاعتناء بأنفسهم. وهكذا لابد أنهما قالا – أحدهما للآخر, بنبرة كلها عزم وعناد وإرادة – كيف نستطيع التغلب على عجزها إلا بالعمل معا?

بالتأكيد يحبانها, وإلا ما كانا اشتركا في وضع الخطط من أجلها. وبالرغم من ذلك تشعر كما لو كانت من الأرستقراطيين الرومان الذين كانوا ينتظرون الجرعة القاتلة, ينتظرون أن يخبروا بأكثر الوسائل ثقة وتعاطفا بأنه من أجل المصلحة العامة يجب أن يتجرعوا ذلك الشراب دون تردد.

إن أطفالها, كسابق عهدها بهم, صالحون ويؤدون ما عليهم من واجبات. أما صلاحها كأم ووفاؤها بواجباتها, فتلك مسألة أخرى.

لكن في هذه الحياة لا نحصل دائما على ما نستحق, وعلى طفليها أن ينتظرا حياة أخرى وتجسدا آخر, إذا أرادا الحصول على ما يستحقانه.

تدير ابنتها معرضا فنيا في (نيس), ولأغراض نفعية أصبحت ابنتها فرنسية. أما ابنها, بزوجته الأمريكية وأطفاله الأمريكيين, فسيصبح قريبا أمريكيا بسبب كل الأغراض النفعية. وهكذا بمغادرتهما لبيت الأسرة, انفلتا بعيدا. وقد يظن المرء, بمزيد من الفطنة, أنهما رحلا ليتخلصا منهما.

ومهما كان العرض الذي يقدمانه لها, فهو, بالتأكيد, ممتلئ بالازدواجية: الحب والقلق المفرط في جانب, وفى الجانب الآخر قليل من جمود المشاعر ورغبة في رؤية نهايتها.

حسنا يجب ألا تربكها هذه الازدواجية, فلقد تجاوزتها الآن. وهل دون المعاني المزدوجة يكون لفن القص من وجود?

بل كيف ستكون الحياة ذاتها إذا لم يكن هناك سوى رءوس وذيول دون شيء بينها.

***

(هيلين), ابنتها, تدير معرضا فنيا في المدينة القديمة ويعتبر هذا المعرض ناجحا على جميع المستويات. لا تمتلك (هيلين) هذا المعرض, فلقد وظفها سويسريان يأتيان من (برن), حيث يعيشان, مرتين في السنة لمراجعة الحسابات وتحصيل قيمة المبيعات.

وتصغر (هيلين) أو (هيلينا) أخاها (جون) ولكنها تبدو أكبر منه. حتى وهى طالبة كانت تبدو في منتصف العمر بتنوراتها ذات اللون الرصاصي والنظارة التي تشبه عيني بومة. وتسريحة شعرها التي تشبه الـ(شنيون).

إنها من ذلك النوع الذي يفسح له الفرنسيون مجالا بل ويظهرون له الاحترام: نموذج المثقف الأعزب المتزمت. بينما في إنجلترا ستعامل (هيلين) كأمينة مكتبة وتكون موضع سخرية. وحقيقة لم تنشغل الأم بعدم زواج (هيلين).

فـ(هيلين) لا تتحدث عن حياتها الخاصة, لكنها علمت من (جون) بأمر علاقتها لسنوات مع رجل أعمال من (ليون) كان يصاحبها خلال العطلات الأسبوعية ومن يدرى, ربما تكون أنوثتها قد تفتحت خلال تلك العطلات.

وهي ليست من النوع الذي يتطفل على الحياة الجنسية لأطفالها. ورغم ذلك فهي لا تؤمن بأن شخصا ما وهب حياته للفن, وتحديدا لبيع اللوحات, لا تستبد به الرغبة.

كانت قد توقعت هجوما مزدوجا, يجلسها (جون) و(هيلين) ويعرضان عليها الخطة التي وضعاها لإنقاذها.لكن لم يحدث شيء من ذلك,فلقد مرت ليلتهم الأولى معا في بهجة وسرور ولم يفتح الموضوع إلا في اليوم التالي, في سيارة (هيلين) عندما انطلقا معا باتجاه جبال الألب لتناول الغداء في بقعة اختارتها (هيلين) للتنزه, وقد تركتا (جون)خلفهما للعمل في ورقة بحثية سيقدمها لأحد المؤتمرات.

– تقول (هيلين) في شجن:كيف تفضلين المعيشة هنا يا (أمي)?

– أتقصدين في الجبال?

– لا.. في فرنسا أقصد.في (نيس) هناك شقة في بنايتي ستخلو بحلول أكتوبر. بوسعك شراؤها أو نستطيع شراءها معا.إنها بالطابق الأرضي.

– أتريدين أن نعيش معا, أنت وأنا? إنه لأمر مباغت يا عزيزتي. أواثقة أنك تعنين ما تقولينه?

– لن نعيش معا. ستكونين مستقلة تماما. لكنك عند الطوارئ ستحتاجين الى من تطلبين عونه.

– أشكرك يا عزيزتي, لكن في ملبورن لدينا أشخاص مؤهلون كفاية للاعتناء بالعجائز وحالاتهم الطارئة.

– من فضلك يا أمي دعينا من هذه المناورات. أنتِ في الثانية والسبعين ولديك مشكلات بالقلب.ولن تكوني دائما قادرة على العناية بنفسك.فإذا كنت…

– لا تزيدي يا عزيزتي. أنا متأكدة. أنك تجدين التعبيرات اللطيفة مثيرة للاشمئزاز مثلما أجدها. أعرف أنني قد أكسر مفصل الحوض أو أصبح كثيرة التقيؤ أو تمتد بي الحياة وأنا واهنة طريحة الفراش لسنوات, تلك نوعية الأشياء التي نتحدث عنها, ورغم ما يوفره عرضك من تسهيلات, فإنني أتساءل: لماذا أثقل كاهل ابنتي بأمر الاعتناء بي? والآن أسألك: هل تستطيعين أن تتعايشي مع نفسك إذا لم تقومي – مرة واحدة على الأقل – وبكل إخلاص بتقديم العون وتوفير الحماية لي? هل عرضت بأمانة مشكلتنا, أعنى المشكلة المشتركة بيننا?

– نعم.عرض مخلص وعملي كذلك. ولقد ناقشته مع (جون).

– إذن دعينا لا نفسد هذا اليوم الجميل بالجدال. لقد قدمت عرضك وسمعته, وأعدك أنني سأفكر فيه. لنترك الأمر عند هذا الحد فمن الصعب أن أقبل مثلما خمنتم بالتأكيد. فأفكاري تتوجه إلى اتجاه مختلف تماما. هناك شيء واحد فقط يتفوق فيه المسنون على الشباب, وهو الموت. شيء يجعل العجوز (يالها من كلمة تبعث القشعريرة) يموت بسلام, يكشف لمن يأتون بعده كم الموت طيب. ذلك ما يتوجه له تفكيري, التركيز على جعل موتي أمرا طيبا.

– تستطيعين جعل موتك أمرا طيبا في (نيس) تماما مثلما في (ملبورن).

– لكن ذلك ليس صحيحا يا (هيلين), فكري في الأمر وستدركين أنه ليس صحيحا. اسأليني عما أعنيه بجعل الموت أمرا طيبا.

أطلقت (هيلين) صوتا يعبر عن الاستهجان. وبعدها ساد الصمت طوال الطريق. أصبحت (نيس) خلفهما بمسافة بعيدة, واستمر انطلاقهما عبر الطريق الخالية باتجاه الوادي الممتد. ورغم أنه فصل الصيف, كان الهواء باردا, كما لو أن أشعة الشمس لم تمس هذه البقاع قبلا.

ارتعشت وأغلقت النافذة. وبدوتا كما لو كانتا تنطلقان في قصة رمزية..!

– وأخيرا تقول (هيلين): ليس صوابا أن تموتي بمفردك, دون أحد يمسك يدك. ذلك ضد الطبيعة الاجتماعية وغير إنساني. إنه يخلو من مشاعر الحب. عذرا على هذه الكلمات لكنني أعنيها. وهأنا أعرض أن أمسك يدك, أن أكون إلى جوارك.

… وحدها كانت (هيلين) الأكثر تحفظا دائما, والتي تحرص على وجود مسافة بينها وبين أمها. أبدا لم يسبق لـ(هيلين) أن تحدثت هكذا.

أكلتا فى فندق يدعى les Deux Ermites وبالتأكيد هناك قصة خلف هذا الاسم لكنها تفضل ألا تعرفها لأنها حتى لو كانت قصة جميلة فمن المحتمل أن تكون مختلفة.

هبت ريح قارسة فجلستا خلف الزجاج للحماية ومتابعة نتف الثلج وهي تتساقط رغم أن الوقت مازال مبكرا على قدوم الشتاء, وإلى جوارهما لم تكن سوى منضدتين مشغولتين فقط.

– جميلة? نعم بالتأكيد هي جميلة, إنه بلد جميل فمن يستطيع أن يرى فرنسا ولا يقول إنها جميلة. لكن لا تنسي يا (هيلين) كم كنت محظوظة, وحظيت بفرصة التنزه أينما ذهبت, كنت قادرة على التنقل كما أرغب في معظم فترات حياتي. لقد عشت, عندما كان لي الخيار, في وفرة من الجمال. ووجدت نفسي أتساءل الآن, بماذا أفادني كل هذا الجمال? أليس الجمال شيئا يستهلك مثله في ذلك مثل آي شي آخر? ماذا يتبقى من الجمال? ما فائدته? هل الجمال يجعلنا في حال أفضل?

– قبل أن أجيبك يا ( أمي) هل أطرح عليكِ سؤالا? فأنا أظن أنني أعرف ما ستقولينه. ستقولين إن الجمال لم ينفعك بشيء واضح, لم يقدم لك ما ينفعك في تلك الأيام عندما ستجدين نفسك واقفة عند بوابة الفردوس بيديك خاليتين وثمة علامة استفهام كبيرة فوق رأسك. سيكون مناسبا لك تماما أن تقولي ذلك, مثل شخصية (اليزابيث كوستيللو). تقولينه وتؤمنين به.

الإجابة التي لن تقدميها – لأنها غير مناسبة لشخصية اليزابيث كوستيللو- أن ما تقدمينه ككاتبة ليس جميلا في ذاته -جمال محدود, مضمون, ليس شعرا, لكنه جمال رغم ذلك, له قوام واضح واقتصادي- لكنه يغير كذلك حيوات الآخرين, يجعلهم أناسا أفضل أو أفضل قليلا. ولست وحدي من تقول ذلك, هناك كثيرون يقولونه, كثيرون من الغرباء بالنسبة لي. ولا يرجع ذلك إلى أن ماتكتبينه يحتوي دروسا لكن لأنه درس في حد ذاته, مثل ذبابة الـ(ووترسكاتر).

– لا أعرف ماذا تكون الـ (ووترسكاتر).

– الـ (ووترسكاتر) أوالذبابة طويلة الأرجل, نوع من الذباب, وتظن هذه الذبابة أنها تصطاد من أجل الغذاء, بينما حقيقة تترك حركتها أثرا على سطح ماء البركة, ومرة بعد أخرى, تظهر أجمل الكلمات (اسم الجلالة – الله). وتحركات القلم على سطح الورقة تترك أثرا مشابها, مثلما الحال معك, فأنت تستطيعين رؤية ذلك – كما أظن من المتابعة عن بعد – لكنني أنا لا أستطيع.

– نعم, إذا كان ذلك يروق لك. لكن الأمر يفوق ذلك. فأنت بالكتابة تعلمين الناس كيف يشعرون. إنها هبة من الله. هبة تجعل القلم يتبع حركة الأفكار.

يبدو لها موقف ابنتها قديم النمط, فهذه النظرية الجمالية التي تشرحها وتدافع عنها أقرب إلى الأرسطية. هل توصلت إليها (هيلين) بنفسها أم يا ترى قد قرأتها في مكان ما? وكيف تطبقها على فن الرسم? وإذا كان إيقاع القلم يتبع إيقاع الفكر, فماذا يكون إيقاع الفرشاة? وماذا عن الرسم بالدهان المرشوش? كيف تعلمنا هذه اللوحات لنصبح أفضل?

– تنهدت وهى تقول: إنه لجميل أن تقولي ذلك يا(هيلين), جميل أن تدعميني لأكتشف أن حياتي لم تضع هباء. مؤكد لم أقتنع وكما تقولين, إذا كان باستطاعتي أن اقتنع فلن أكون أنا. لكن ليس في ذلك تعزية, فكما ترين لست بحالة مزاجية جيدة.

– إذن لنتوقف الآن عن الحديث.

– نعم, دعينا نتوقف عن الحديث. لنفعل شيئا آخر قديما بالفعل.لنجلس صامتين تماما وننصت إلى طير الوقواق.

وكان هناك فعلا طائر وقواق يصيح, من غيضة صغيرة خلف المطعم. وإذا فتحت النافذة ولو قليلا فستحمل لهما الرياح ذلك الصوت واضحا تماما: صوت يتكون من نغمتين, مرتفعة ومنخفضة, تتكرر مرة بعد أخرى. بهجة الربيع, هكذا فكرت, إنها أحد تعبيرات (كيتس), بهجة الصيف ويسره. طائر نزق, لكن ياله من مغن, ياله من كاهن.. (كوكو).. اسم الرب كما يردده لسان طائر الوقواق.حقا إنه عالم من الرموز.

يفعلون الآن شيئا لم يفعلوه معا منذ كان طفلاها صغيرين. يجلسون في الشرفة بشقة هيلين في إحدى الليالي المتوسطية دافئة النسيم ويلعبون الورق. يلعبون البريدج الثلاثي, يلعبون اللعبة التي يطلقون عليها (سبعات) ويطلق عليها في فرنسا (RAMI) وذلك حسب ما ذكرته (هيلين /هيلينا).

كان قضاء الأمسية في لعب الورق من اقتراح (هيلين) وبدا اقتراحا غريبا ومتكلفا, ولكن فور الاندماج فيها شعرت بالسعادة وأعجبت بحدس (هيلين), ربما لأنها لم تتوقع أن يكون لدى (هيلين) مثل هذا الحدس.

لكن ما باغتها الآن كيف انزلقوا إلى تقمص شخصياتهم أثناء لعب الورق منذ ثلاثين عاما مضت, وتلك الشخصيات التي ظنت أنهم قد تخلصوا منها للأبد منذ فر أحدهم من الآخر: (هيلين) الطائشة والمنطلقة, (جون) العابث العنيد, وهي ذاتها بقدرتها على المنافسة والتي أدهشتها, وفى ذاكرتها ما كان عليه جسدها وكيف كانت تخرج ثديها لإطعام طفلتها فور أن تبكي. وعندما كانوا يلعبون مقابل رهان مالي, كانت تكسب الكثير من أموالهم بحيلها المتعددة. أي انطباع يخلفه ذلك حيالها? أي انطباع يخلفه ذلك حيالهم? هل يشير إلى أن تلك الشخصية كانت ثابتة وعنيدة, أو يشير إلى أن تلك العائلات, العائلات السعيدة, يلتم شملها بإعادة أداء الألعاب التي كانوا يقومون بها خلف الأقنعة?

أشارت بعد أن حققت فوزا آخر (يبدو أن قدراتي لم تذهب هباء. اعذراني فأنا مرتبكة). مؤكد هذه كذبة, فهي ليست مرتبكة على الإطلاق. إنها مفعمة بمشاعر النصر. يتملكها فضول لمعرفة أي القدرات يحتفظ بها المرء لسنوات وما التي يبدأ فقدانها.

– يسأل ابنها بفضول: أي القدرات تشعرين أنك تفقدينها, يا أمي?

– تقول بابتهاج: أفقد قدرة الرغبة, في القليل أوالكثير.

– يرد (جون) في إصرار لقيادة الحديث: أفضل استخدام (شدة) أو(جهد) ولكن ليس قدرة. فالرغبة قد تجعلك ترغبين في تسلق الجبل لكنها لن تعاونك في الوصول إلى القمة.

– ماذا يحمل المرء إلى القمة?

– الطاقة. الوقود. ما اختزنته عبر مراحل مختلفة.

– الطاقة. أتريد معرفة نظريتي عن الطاقة, مصادر الطاقة بالنسبة لشخص عجوز? لا تتحفز, فليس هناك شيء شخصي ليربكك, كذلك ليس بها من الغيبيات شيء ولو ذرة. فهي نظرية مادية قدر المستطاع.

ها هي: فعندما نتقدم في العمر, يبدأ كل جزء في الجسد يطوله العطب أو يعانى من تناقص الطاقة, ويمتد ذلك إلى كل خلية. هذا ما تعنيه الشيخوخة, وفقا لوجهة نظر مادية. حتى في الحالات التي يكون فيها الجسد ما زال صحيحا معافى, تكتسي الخلايا القديمة بألوان الخريف (استعارة, أسلم بذلك, لكن لمحة من مجاز هنا وهناك لا تؤدي إلى شيء من الغيبيات). ويصل ذلك إلى العديد والعديد من الخلايا, ومن بينها خلايا المخ كذلك.

فإذا كان الربيع هو الفصل الذي يتطلع إلى الصيف, فإن الخريف هو الفصل الذي ينظر إلى الخلف. والرغبات التي تحملها خلايا المخ في مرحلة الخريف هي رغبات تتوق إلى الماضي, رغبات تضمها الذاكرة, لم تعد تسري بها سخونة الصيف, رغبات تتنازعها قوى مختلفة معقدة تتوجه للماضي أكثر من المستقبل. هذا هو جوهر الأمر, وهي مساهمتي في علم المخ, فما رأيك?

– تقول (هيلين): هل هذا ما تشغلين به نفسك هذه الأيام, (علوم المخ)? هل هذا ما تكتبين عنه?

.. سؤال غريب ومتطفل. و(هيلين) لم تسألها أبدا عن عملها. ليس لأنه موضوع ممنوع التطرق إليه, لكن لأنه ليس مطروحا بالتأكيد.

– لا فمازلت متفرغة للأدب, وسيريحك أن تسمعي ذلك. فأنا لم أبدأ بعد النزول إلى الشارع لأبيع أفكاري مثل بائع متجول. أفكار (إليزابيث كوستيللو) في النسخة المنقحة.

– رواية جديدة ?

– لا ليست رواية, إنها قصص. أتريدين سماع إحداها?

– أريد, فلقد مضت فترة طويلة منذ حكيت لنا قصة.

– حسنا جدا, قصة ما قبل النوم. حدث ذات مرة – في زماننا وليس في زمن قديم مضى – أن رجلا كان مسافرا إلى مدينة غريبة لحضور اختبار التقدم لإحدى الوظائف. ومن غرفته بالفندق, وكان يشعر بالقلق- وكان في حالة مزاجية تصبو للمغامرة, ومن يدرى ما يشعر به – طلب تليفونيا إحدى العاهرات. ووصلت الفتاة وقضت معه بعض الوقت. وكان يشعر معها بحرية لم يخبرها مع زوجته, وطلب منها بعض الأشياء.

تجاوز الاختبار وحصل على الوظيفة, ووافق -كما جاء في القصة- أن ينتقل لهذه المدينة. وبين من قابلهم في مكتبه الجديد, وكانت تعمل كسكرتيرة أو بعمل كتابي آخر أو عاملة تليفون, تعرف على نفس الفتاة, العاهرة, وتعرفت عليه.

– وماذا أيضا?

– لا أستطيع أن أحكي المزيد.

– لكن هذه ليست قصة.. إنما مجرد خلفية لقصة ولن تكون قصة حتى تذكري ماذا حدث حاليا.

– لم تضطر لأن تصبح سكرتيرته. فلقد حصل الرجل على الوظيفة وقبل الانتقال إلى مدينة جديدة. وفى الطريق زار بعض الأقارب, ابن عم لم يره منذ الطفولة أو ابن عم زوجته, ودخلت ابنته وإذا بها نفس البنت التي جاءته بالفندق.

– أكملي. وماذا حدث بعد ذلك?

– يتوقف ذلك على نوع القصة. ربما لم يحدث شيء -ربما تكون من هذه القصص التي تنتهي فجأة.

– هراء, على أي شيء تعتمد?

– والآن تحدث (جون): تعتمد على ما دار بينهما بحجرته في الفندق. تعتمد على ماطلبه منها حسب قولك. هل تذكرين يا(أمي) ما طلبه منها?

– نعم? أذكر.

وخيم الصمت عليهم جميعا. فما سيفعله الرجل بوظيفته الجديدة, وما ستفعله هذه البنت التي تمارس البغاء كعمل إضافي, كلاهما تراجعت أهميته. فالقصة الحقيقية تدور في الشرفة, حيث يجلس طفلان في منتصف عمريهما بمواجهة أمهما التي لم تفقد قدرتها على إثارة اضطرابهما. فأنا من تبكي.

– سألت (هيلين) بحدة: هل ستخبريننا بما طلبه منها? حيث لم يكن هناك شيء آخر تسأل عنه.

كان الزمن قد مضى لكن لم يفت الأوان بعد, فلم يعودا طفلين كلاهما. خيرا كان ذلك أو شرا, هم الآن بنفس القارب المعطوب ويدعي الحياة, طاف بلا هدف دون صلات – حتى – تبعث الطمأنينة وفي بحر حالك الظلمة, ما لهذه الاستعارات التي تنطق بها الليلة..!, فهل يستطيعون التعلم كيف يعيشون معا دون أن يلتهم بعضهم البعض الآخر?

– تلك الأشياء التي يفرضها رجل على امرأة وأجدها صادمة لي. لكن قد لا تجدينها أنت كذلك, لانتمائك إلى جيل مختلف. فربما يكون العالم قد تجاوزني في هذا الصدد وخلفني وراءه على الشاطيء لا أقوم إلا بالاستنكار. وربما تكون هذه عقدة القصة, فأثناء ما كان وجه الرجل, الرجل الناضج, قد امتقع عندما واجه الفتاة, كان ما حدث للفتاة بحجرته في الفندق جزءا من عملها, ومما ينتظم به حدوث الأشياء, جزءا من الحياة.

وهكذا قالت الفتاة: السيد جونز… عمي هارى.. كيف حالكما..?

تبادل الطفلان اللذان لم يعودا طفلين, تبادلا النظرات, ولسان حالهما يقول: أهذا كل شيء? لا يمثل الشيء الكثير.

– الفتاة في القصة فائقة الجمال, مثل زهرة حقيقية وقالت: أستطيع أن أوضح لكما الأمر, فالسيد (جونز) يا عمي (هارى) لم يسبق أن ورط نفسه في شيء مثل هذا قبل الآن, إذلال الجمال وإخضاعه, لم تكن هذه خطته عندما أجرى المكالمة التليفونية, ولم يكن قد خمن أنها بداخله.

فلقد أصبحت خطته فقط عندما ظهرت الفتاة ورأى – كما قلت – أنها زهرة. وتجلى الأمر له مثل إهانة لأنه افتقد هذا الجمال طوال حياته, وربما يفتقده من الآن فصاعدا يا له من عالم بلا عدالة..! هكذا كان يصرخ داخله, وابتدأ حينها طريقه القاسي. وهكذا لم يعد رجلا لطيفا على الإطلاق.

– أظن أنك يا أمي تحملين الكثير من الشكوك حول الجمال وأهميته. تعتبرينه أمرا ثانويا, هكذا دعوته.

– أقلت ذلك?

– تقريبا.

– وعندئذ تدخل (جون) ووضع يده فوق ذراع أخته وهو يقول: الرجل في القصة, لا أذكر هل هو(العم هاري) أو(السيد جونز), مازال يؤمن بالجمال, إنه خاضع لسطوته. ولهذا السبب كرهه وحاربه.

– تقول (هيلين): هل هذا ما تقصدينه يا (أمي)?

– لا أعرف ما أقصد, فالقصة لم تكتب بعد. فدائما ما أقاوم الإغراء بالحديث عن القصص قبل كامل خروجها من الزجاجة, والآن أعرف سبب ذلك. ورغم أن الأمسية كانت دافئة, فإنها بدأت ترتعش قليلا : أشعر بتشوش متزايد.

– الزجاجة.

– لا عليك.

– ليس تشوشا.فلو كان هناك ناس آخرون, قد يكون ذلك تشوشا. لكننا معك. وتأكيدا تعرفين ذلك.

معك? ياله من هراء. فالأطفال ضد آبائهم, وليسوا معهم. لكن تلك أمسية خاصة في أسبوع خاص. فمن المحتمل جدا أنهم لن يجتمعوا هكذا ثانية, ثلاثتهم, على الأقل ليس في هذه الحياة. وربما في هذه المرة يجب أن يرتفعوا فوق ذواتهم وربما تكون كلمات ابنتها نابعة من القلب, من القلب الحقيقي وليس الكاذب. نحن معك. وربما تكون نبضته عند سماع هذه الكلمات نابعة من القلب الحقيقي كذلك.

– إذن أخبريني بما يمكن قوله تاليا?

– يحتضنها في وجود الأسرة بكاملها, دعيه يحتضن الفتاة بين ذراعيه. ولا يهم كم سيبدو ذلك غريبا. (سامحينى – لما اقترفته بحقك) دعيه يقل ذلك, ثم يركع أمامها على ركبتيه ويقول (دعيني أتعبد مجددا في محراب الجمال). أو يقول كلمات أخرى لها ذات التأثير.

– تغمغم الأم: أسلوب أيرلندي ضعيف. شديدة الشبه بأسلوب دستويفسكى. ولست متأكدة أن لأيهما وجودا في المعالجة التي أقدمها. إنه اليوم الأخير لـ(جون) في نيس, وغدا في الصباح الباكر سيسافر إلى (دبروفنيك) لحضور المؤتمر الذي جاء لأجله, حيث ستتم مناقشة – كما يبدو- مسألة الزمن قبل بدايته وبعد نهايته.

– في يوم من الأيام كنت مجرد طفل يحب التحديق عبر التليسكوب. والآن يجب على أن أعيد تهيئة نفسي كفيلسوف, وربما كعالم لاهوت. تغير حياتي تام.

– وماذا تأمل أن ترى, عندما تنظر عبر التليسكوب إلى الزمن قبل بداية الزمن.

– لا أدرى. ربما الرب الذي لا يحده شيء, الخفي عن الأنظار.

– حسنا, أود رؤيته أنا أيضا. لكن يبدو أنني لن أستطيع ذلك. لذا أبلغه تحيتي. قل له إنني سأكون إلى جواره ذات يوم من الأيام.

– أمي..!

– عذرا. أنا متأكدة أنك تعرف ما عرضته علي (هيلين) بشراء شقة هنا في (نيس). إنها فكرة طيبة, لكن لا أظن أنني سأقبلها. وقالت لي إن لديك عرضا خاصا. جميعها عروض ذكية كما لو أن ودي يُخطب مُجددا. فما عرضك?

– أن تأتي لتقيمي معي في (بالتيمور). المنزل هناك كبير وبه متسع, ولدينا حمام آخر صالح للاستخدام. سيحب الطفلان ذلك الوضع, فسيكون من المفيد لهما أن يجدا جدتهما معهما.

– ربما يحبان ذلك وهما في التاسعة والسادسة من العمر. لكن لن يحباه عندما يبلغان الخامسة عشرة والثانية عشرة, ويصحبان أصدقاءهما إلى المنزل بينما الجدة تتنقل في المطبخ ببطء وهي مرتدية خفها, تغمغم لنفسها وتصطك أسنانها وربما تكون غير قادرة على الشم جيدا. أشكرك يا (جون) لكنني أرفض هذا العرض.

– لا تتخذي قرارك الآن. فالعرض قائم دائما.

– جون – أنا لست في وضع يسمح لي بالوعظ, فأنا قادمة من أستراليا التي استجابت مثل النخاسين لأوامر سيدها الأمريكي. ومع ذلك, تذكر أنك تدعوني إلى مغادرة البلد الذي ولِدت به, لأتخذ مسكنا في جوف الشيطان الأعظم, وتذكر كذلك أن لدي تحفظات على القيام بذلك.

يقف ابنها, وتقف إلى جواره على أرض المتنزه ويبدو أنه يفكر في كلماتها مُضيفا إليها خليطا من البودنج والجيلي في الطبق الذي كان يقدم له كهدية في عيد ميلاده منذ أربعين سنة مضت, فخلاياه لم ينلها الإرهاق بعد, ومازالت نشيطة لملاحقة الأفكار كبيرها وصغيرها, الزمن قبل الزمن, والزمن بعد الزمن, وكيف يتصرف مع أم عجوز.

– تعالي على أي حال. بغض النظر عن تحفظاتك أوافقك أنه ليس الزمن الأفضل, لكن تعالي. وبروح ساخرة يضيف: وإذا كان ممكنا أن تقبلي كلمة نصح صغيرة ولطيفة, فكوني حذرة من الكلمات الضخمة. فأمريكا ليست الشيطان الأكبر. وهؤلاء الرجال في البيت الأبيض مجرد نقطة عابرة في التاريخ, وسيتم قذفهم إلى الخارج لتعود كل الأمور إلى وضعها الطبيعي.

– إذن قد أستطيع الاستنكار لكن يجب ألا أشجب أو أتهم.

– الاستقامة يا (أمي) إنها ما أشير إليه, إيقاع وروح الاستقامة. وأعرف أنها مخاطرة, بعد أن قضيت حياتك كلها تقدرين لكل كلمة وزنها قبل الكتابة, أن تتركي نفسك لتجرف الروح, لكنها تخلف مذاقا سيئا. يجب أن تكوني واعية بذلك.

– روح الاستقامة. سأحفظ بعقلي ما دعوتها به, وسأضفي على الأمر بعض الفكر.

تمسك ذراعه, وفي صمت يستكملان نزهتهما. لكن الأمور ليست على ما يرام بينهما. فهي تشعر بتوتره وتشنجه. تتذكر كم كان طفلا صعب المراس وعبوسا. فالذكريات تتدافع عليهما, تلك الساعات التي تحاول ملاطفته لإخراجه من عبوسه, فهو صبي كئيب لوالدين كئيبين. كيف تستطيع أن تحلم باتخاذ ستار يفصلهما عن زوجته ذات الوجه العبوس والرافض دائما? وشعرت بارتياح لأنهما -على الأقل – لم يتعاملا معها كمغفلة. على الأقل منحاني هذا الشرف.

– كفى شجارا – هل تلاطف الآن? هل تتوسل?

– لا حاجة بنا أن نجعل أنفسنا بحالة مُزرية بالحديث عن السياسة. ها نحن على شواطئ البحر المتوسط, في بلد بمنزلة المهد لأوربا القديمة, وفي ليلة معتدلة المناخ. دعني أقل ببساطة, إذا كنت و(نورما) والطفلان لا تستطيعون تحمل أمريكا أكثر, لا تستطيعون تحمل ما تجلبه من عار عليكم, فإن المنزل في (ملبورن) منزلكم كما كان دائما. تستطيعون أن تأتوا في زيارة, تستطيعون أن تأتوا كلاجئين, تستطيعون أن تأتوا للم شمل الأسرة – حسب وصف (هيلين). والآن – ما رأيك أن نمر على (هيلين) ونصحبها إلى ذلك المطعم الصغير الخاص بها في شارع (جمبيتا) لتناول آخر وجبة مبهجة تجمعنا معا.

ج. م. كويتزي مجلة العربي مايو 2004

الشنفرى.. الطائر شعراً بلاميّته الفاتنة

الشنفرى.. الطائر شعراً بلاميّته الفاتنة

سعدية مفرح

وهذا شاعر آخر اشتهر بواحدته الفاتنة في سياق الشعر العربي كله، فكانت تلك القصيدة الواحدة ملاذا لقلقه الوجودي المبكر، ومتكأً لروحه النزق، ونسبا رفيعا له هو المختلف حول نسبه أماً وأباً.

إنه الشنفرى، وإنها لامية العرب، وبينه وبينها أكثر مما بين الشاعر وقصيدته عادة من علاقة تتبدى في غيرها من القصائد، فقد كانت اللامية الأشهر في ديوان القصيد العربي، وكانت الإشارة الإبداعية الأولى لصعاليك العرب الذين اشتهروا في مرحلة ما قبل الإسلام ثوارا على مألوف المجتمع وعادات القبيلة وتقاليد ذلك الزمان، ولكل منهم أسبابه التي تفرقت لكنها جمعتهم في مفازات العرب لا يخشون لومة لائم ولا صولة صائل، لكنها النفس الأمارة بالحرية دليلهم ومبتغاهم.

ولأننا لا نجد تاريخا محددا نطمئن إليه لولادة هذا الصعلوك الذي اشتهر بلقبه اسما، أو باسمه لقبا، ولا مكان جغرافيا ثابتا يمكن أن نتسلسل في تتبعه فلا مفر إذن من اعتماد لاميته وحدها مرجعا نهائيا لمعرفة أحواله ورسم صورة تقريبية لهذا الشاعر الموغل في الزمن، والباحث عن أمجاده على مدى بطولات مسورة بقيم إنسانية مازالت قادرة على مقاومة كر الأيام وفرها.

لقد أمعن عمرو بن براق، أو ثابت بن أوس، أو ثابت بن جابر، على ثلاثة أقوال، والمشترك فيها الشنفرى الذي يضعه البعض اسما مقترحا رابعا، في حين يضعه البعض الآخر لقبا يدل على غلظة شفتيه وحسب، في رسم ذاته مخلصا لها من خلال أبيات لاميته التي بلغت 68 بيتا في أشهر الروايات وأرجحها. وفي استقراء لبعض شروحاتها المتنوعة نعرف، من دون اطمئنان، أنه نشأ يتيم الأب في قبيلة «فهم» التي لجأت إليها والدته بعد أن قتل والده على يد بني سلامان من قبيلة الأزد، ولهذا يرجح كثير من مؤرخي الأدب والأدباء أنه خص بغزواته بني سلامان الأزديين ثأراً لوالده وانتقاما منهم على استعبادهم له ولوالدته ردحا من الزمن، لم يكن يعرف فيه أصله الحقيقي ولا نسبه الرفيع. فلما عرف – كما تروي الحكايات التي لا تخلو من طرافة ومفارقات – استعد لرحلة الثأر التي سالت فيها دماء ما يقرب من مائة رجل من هؤلاء الأعداء.

ويبدو أن الطبيعة قد تحالفت مع هذا اليتيم المستضعف فخصته ببعض من هباتها السخية، حيث كان الشنفرى سريع العدو لا تدركه الخيل حتى قيل في أمثال العرب: «أعدى من الشنفرى». وعلى هذا الصعيد تروى الحكايات التي لا تخلو من النزعات الأسطورية والخرافية. وكان يغير على أعدائه برفقة شاعر وصعلوك فتاك آخر هو «تأبط شرا» الذي علمه الصعلكة في البراري والسروات والمفازات القاحلة.

وعلى الرغم من تلك الرفقة – التي اتسعت بعد ذلك لتصير قبيلة من الصعاليك منهم عروة بن الورد والسليك بن السلكة – فإنه مات قبل 70 سنة من الهجرة المحمدية وحيدا شريدا مغدورا على يد أعدائه الذين تكاثروا وتعددت أسباب ملاحقتهم له، وتوحدوا في الحقد عليه والرغبة العارمة في النيل منه وربما الغيرة من تلك الشخصية الفائضة في مفازات الألم والحرمان، ولكن أيضا الإبداع حيث اللامية التي صارت لامية العرب رغما عن أنف الذين شككوا بنسبه العربي واستكثروا عليه حريته ولاميته أيضا، حتى أنهم لم يضموها لمعلقاتهم الشعرية السبعة (أوالعشرة في بعض الروايات)، ولم تعلق على أستار الكعبة، كما كان يفعل بكل القصائد التي اجتازت الاختبار الجمعي لذائقة الجماعة العربية في جاهلية الشعر، على الرغم من تفوقها الذي لا ينكره متذوق للفن غير منحاز لأهوائه العنصرية. ولم يكن ليليق بهذه اللامية الممجدة لقيم الصعلكة في هامشها الإنساني النبيل، فقد كانت الإشارة والمنارة، والعلاقة والطريق، وصارت فيما بعد الأيقونة التي قدمت لأدب الصعاليك تاريخه كأوثق ما يكون، وشعريته كأحلى ما يمكن.

لقد ركض ابن السروات الشاسعة وراء حلم اجتهد في تحقيقه بتلك الخطوات الواسعة بحثا عن كينونة كائن بشري طواه اليأس واستبد به الأسى فقرر أن يرحل سريعا من مضارب القبيلة المتعجرفة دفعا للأذى الذي لحق بروحه في مجتمع يمارس طبقيته وفقا لحسابات الموروثات، لكن الأرض تقدم له اقتراح البعد بصفته المنأى عن ذلك الأذى المستبد، شرط أن يتسامى عن كل ما يكبل الجسد والروح من احتياجات مادية تعيق الحركة. وهكذا يجد الشنفرى نفسه طائرا بجناحي الشعر، لا يكاد يمس الأرض إلا قليلا… وإلا ليسمع الوجود كله لاميته التي اقتنصها العرب لأنفسهم، على الرغم من بعدها الإنساني الباهر.

سعدية مفرح مجلة العربي يونيو 2009

اكتشاف سحر القص

اكتشاف سحر القص

جابر عصفور

منذ طفولتي البعيدة، وقد أخذني سحر القص إلى عوالمه الممتعة.. هكذا يبدأ الدكتور عصفور رحلته مع الكتاب وهو ينبش في أغوار الذاكرة السحيقة.

لا أعرف لماذا بدأت رحلتي مع الكتّاب بالرواية على وجه الخصوص؟ مؤكد أنني كنت أعرف الشعر في صباي البعيد، وكنت أحفظ بعض قصائد الشعر التي كنت أدرسها في المدرسة، وكان الأستاذ أحمد شلبي أستاذ اللغة العربية، في مدرسة الأقباط، هو أول من جذبني إلى عالم الشعر، سواء بقراءته التي كنت أراها بالغة العذوبة، في ذلك الزمان، لقصائد الشعر وتعليقه عليها. وأظنه كان شاعراً ومتذوقاً للشعر، حفياً به، بارعاً في إنشاده، وتنغيم صوته، وقت الإنشاد. ومن المؤكد أن إنشاده كان يدفعني إلى التأثر بما ينشد، أو يقرأ، وكنت، في مطلع الصباح، أحفظ على الفور ما اهتز لسماعه، ومع ذلك لم يكن الشعر هو مجال إبحاري الأول في عالم القراءة، فقد سرقتني دنيا القص من الشعر، ودفعت بي إلى عوالمها الساحرة. وربما كان ذلك بتأثير ما قرأته منذ عهد باكر جداً، سواء القص الديني الذي طالعته في قصص الأنبياء للثعالبي، أو ألف ليلة وليلة، وكلاهما كتابان اشتريتهما من حر مالي، بعد أن ادخرت من مصروفي الخاص ما أتاح لي شراءهما، وكان من اليسير أن أفرغ من كتاب الثعالبي الذي أذكر أنه كان في جزء واحد، يسهل على من كان مثلي أن يلتهمه في يومين على وجه التقريب، مزيحاً كتب المدرسة جانباً، خصوصاً الكتب غير الأدبية التي لم تكن تغوي بالقراءة، شكلاً ومضموناً، وربما كان الحس الديني المبكر هو الذي دفعني إلى البدء بالثعالبي، والاتحاد الوجداني مع قصص الأنبياء، خصوصاً ما كانت تتضمنه من خوارق ومعجزات، وشخصيات نقية كالملائكة، مقابل شخصيات مناقضة كأنها الشياطين التي تتقمص صور البشر، وما إن انتهيت من الثعالبي حتى هرعت إلى ألف ليلة وليلة، بأجزائه الأربعة التي عرفت فيما بعد، وبعد أن تعمّقت في دراسة الطبعات القديمة لألف ليلة، أن طبعتها الأولى في المطبعة الأميرية التي أنشأها محمد علي في بولاق كانت في مجلدين فحسب، راجعهما وذيّل الجزء الثاني منهما الشيخ عبدالرحمن الصفتي الذي كان أحد علماء الأزهر البارزين، ومر أكثر من عقدين من الزمان نفدت فيهما طبعة الشيخ عبدالرحمن الصفتي، وكان لابد من طبعة جديدة تولاها وأشرف على تصحيحها الشيخ قطة العدوي الذي أخرج حكايات الليالي في أربعة أجزاء، هي الأجزاء التي لاتزال أكثر تداولاً إلى اليوم، والتي لاتزال تصدرها المطابع المتخصصة في هذا النوع من المأثور الشعبي الذي يجمع، إلى جانب الليالي، السير والملاحم المختلفة، وغيرها من السرديات التي نجدها في المطابع والمكتبات القديمة التي لاتزال قائمة في حي الحسين والأزهر، مثل مكتبة صبيح والحلبي وغيرهما من المكتبات الأحدث التي تعوّدت الذهاب إليها في المرحلة الجامعية، وكان في صحبتي، دائماً، الشيخ رمضان، رفيق مجموعة أصدقاء المحلة الكبرى التي وصلت بينها – إلى الآن – محبة الكتاب التي قادت إلى محبة الأدب.

مجلدات ألف ليلة وليلة

كل هذه أشياء متأخرة، ارتبطت بمعارف متأخرة، حين جاوزت مرحلة الصبا الباكر، لكن ما لا يمكن أن أنساه، في مرحلة الصبا، هو اقتناء الأجزاء الأربعة من ألف ليلة، ولاأزال أذكر أنني قرأت اسم الشيخ قطة العدوى على صفحة الغلاف بوصفه المراجع اللغوي والمشرف على الطباعة، وبالطبع لم تكن النسخة التي اشتريتها هي الطبعة التي صدرت عن مطبعة بولاق، وإنما إحدى الطبعات المستنسخة منها بفضل مطبعة أحدث، أخذت من إعادة طبع وبيع الطبعات المأخوذة عن طبعة الشيخ قطة القديمة مصدر رزق لها.

المهم أنني حصلت على مجلدات ألف ليلة الأربعة، وأخذت ألتهمها واحداً بعد الآخر، وأحسبني تقمصت شخصية السلطان الجبار الذي سحرته شهرزاد، التي جمعت بين جمال الخلقة ورجاحة العقل، وتطوّعت أن تتزوج السلطان لكي تحمي بنات جنسها من بطشه، خصوصاً بعد أن جنّ جنون السلطان الذي ذهب ليسري عن أخيه الذي خانته زوجته، وعاد من عند أخيه دون إعلان ليفاجأ بالحقيقة الموجعة، وهي أن زوجه التي لم تكن تكف التظاهر بحبه، كانت تخونه بدورها، ومع عبد حبشي زنيم، كان لابد من قطع رأسه والتمثيل بجثته، عقاباً له على الجرم الذي ارتكبه في حق سيده، والجحود الذي بدا أنه فُطر عليه، والذي كان سواد وجهه وقبح خلقته علامة عليه. وأحسب أن ألف ليلة هي النص الأدبي الأول الذي كرّس في وعيي كراهية فطرية، ظلت مستقرة في اللاشعور طويلاً ناحية السود الذين كانت حكايات الليالي تصوّرهم دائماً، بوصفهم كائنات جاحدة، ناكرة للمعروف، مطبوعة على الشر والإثم والخيانة، لا أمان لها، ولا ينال مَن يثق فيها إلا أوخم العواقب، وأظن أن مصدر هذا الازدراء للسود الذي تقرنه ألف ليلة وليلة بالحضور المدان، سلفاً، للسود المتناثرين على صفحاتها، كان نوعاً من التجاوب مع الكتب التراثية التي ظلت تزرع وتروي وترعى بذور التمييز العرقي في الثقافة العربية القديمة التي انتسبت إليها ألف ليلة، أعني الثقافة العربية التي شاركت غيرها من الثقافات في التمييز نفسه ضد السود، ولنتذكر ما كنا قد أخذنا نعرفه من وقت بعيد عن عنترة بن زبيبة الحبشية الذي كان ينتسب إلى أمه تحقيراً له، وزراية به، على طريقة العرب التي تنسب الأدنى منها إلى أمهاتهم على سبيل التهوين من شأنهم، فمن لا يجوز نسبته إلى أبيه، فالنسبة إلى أمة علامة على هوان مكانته الاجتماعية ووضاعة أصله على السواء، يشبه عنترة في ذلك السُّليك بين السلكة، وقيس بن الحدادية من صعاليك العرب في الجاهلية.

ظهور شهرزاد

ولذلك لم يستغرب الصبي الذي كان، في داخلي خيانة العبد الزنيم الذي اعتدى على شرف سيده، ومولاه، شهريار، ولم نأبه كثيراً بقتل شهريار لزوجه الخائنة، بقدر ما انتبهنا لقراره الزواج كل يوم بامرأة جديدة، يتمتع بها طوال الليل، ويقتلها في الصباح، كي لا تتكرر جريمة الخيانة التي ظلت جرحاً دامياً لا يتوقف عن الإيلام والنزف. وعندما ضجت المدينة من كثرة قتل الملك للأبكار من فتياتها، ولم يكن هناك مَن يستطيع أن يوقف شهريار عن الاستمرار في انتقامه الرهيب، تقدمت شهرزاد، ابنة الوزير الحكيم التي ورثت حكمته، وجمعت بفضل حسن رعايته بين علوم الأوائل والأواخر، والعرب والعجم، قرأت ودرت كما تصفها الليالي، وأعلنت لوالدها أنها قررت أن تتزوج الملك لكي توقف استمرار النزعة الوحشية التي سيطرت عليه، وأن تعيده إلى صورته الإنسانية بفضل السحر الذي تمتلكه، وهو سر الحكايات العجيب الذي يوقظ الإنسان من أعماق الوحش، ويحرر الملك المتسامح من وحشية الملك المنتقم الجبار، ولا تفلح مقاومة الأب، فيخضع في النهاية لابنته التي طلبت أن تصحبها أختها دنيازاد لتؤدي دور البطل المساعد، ويتم الزواج، وتستهل شهرزاد حكاياتها التي تحثها على أدائها أختها دنيازاد، ويبدأ سحر الحكي مفعوله في السلطان الباطش، وتتوقف شهرزاد مع علامات الصباح عند نقطة حاسمة في الحكي، وتترك الملك نهب الفضول المتأجج في معرفة ما انتهى إليه الحكي؟ وتمهله شهرزاد إلى يوم آخر، فيتركها الملك تنام آمنة، وينام هو، أيضاً، ناسياً ما قطعه على نفسه من عهد بأنه لابد أن يقطع رأس امرأة (فتاة) جديدة، بعد نيل وطره منها كل يوم، وتتكرر حيلة شهرزاد، ويؤجل شهريار قراره كل يوم، إلى أن تمضي الليالي، وتعقب الليلة الأولى عشرات، بل مئات الليالي إلى أن نصل إلى الليلة الأولى بعد الألف، فيكون الملك قد برئ مما فيه، وفارقته رغبته الوحشية في الانتقام تدريجياً، إلى أن يستعيد أجمل الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الملك الصالح من حكمة وتسامح وغفران ونسيان لذكريات الشر التي يستبدل بها ذكريات الخير، وتكون شهرزاد في منجاة تامة من بطش الملك الذي استعاد إنسانيته ورحمته، بفضل القص الذي أصبح يرادف الحياة التي تنتزع حضورها من الموت وفي الوقت نفسه يتأكد دور القص، من حيث هو إشارة إلى غيره من أنواع الفن، بوصفه السحر البشري الذي يحيل العدم إلى وجود، والنزعة الحيوانية إلى نزعة إنسانية ترتقي بالكائن إلى ذرى التسامي النبيل والإيثار الكريم. وليس القص – من هذا المنظور – سوى القدرة على تحرير الوجود، والارتقاء به من وهاد الضرورة إلى آفاق الحرية، وتحرير الوعي من العوامل التي تعكّر عليه صفو الرؤية، كي يرى أوسع مما اعتادت حدقتاه على الرؤية، فيرى الجمال في النظام، ويفرض النظام على الفوضى. أما شهرزاد التي تحولت إلى رمز للمبدعة فقد نالت مكافأتها، فحررت بنات جنسها. ونقلت حياة الملك من جدب العقم، كي تشارك في غنى الخصب، فتحمل من الملك ما يضمن له استمرار ملكه، وتواصل قيمه الجديدة، ويقر الملك بفضل شهرزاد، فيمنحها الحق المقدس في الحياة ويبقيها إلى جانبه، حرصا على حضور الحكمة المقترنة بالعدل، والمعرفة النافية للشر المرتبط بالجهل، والنزعة الإنسانية النافية للنزعة الحيوانية.

المرأة والتعصّب

وبالطبع لم أنتبه إلى كل هذه الدلالات وأنا قابع في ركن صغير من البيت، ألتهم ألف ليلة بعيني مراهق يثيره مشهد الأجساد العارية، ويستثيره تتابع الأحداث كأنه يشاهد أفلام مغامرات لا تنتهي، ولا يريدها المشاهد أن تنتهي. ومن يدري؟! لعلي كنت أستجيب لا شعوريا، إلى الميراث الثقافي الذي انطويت عليه، والذي كان معاديا للمرأة إلى أبعد حد، ولاأزال أذكر من مرويات هذا التراث ما يقول: النساء شر كلهن، لا تثق بامرأة، ذلّ من أسند أمره إلى امرأة، من علامات اقتراب الساعة طاعة النساء، لا تطلعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال، كرامة النساء دفنهن. وهل يمكن أن أنسى الأبيات التحذيرية التي تستهل بها ألف ليلة حكاياتها بقولها:

لا تأمنن إلى النساء ولا تثق بعهودهن
يبدين ودا كاذبا والغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر متحذراً من كيدهن
أو ما ترى إبليس أخــرج آدما من أجلهن

وأغلب الظن أن هذا الميراث القائم على التمييز ضد المرأة لايزال يمارس تأثيره في الأجيال المتلاحقة، خصوصا تلك الأجيال التي لم تنل قدراً كافيا من التعليم القائم على المساواة بين الرجل والمرأة، أو – على الأقل – تحرير المرأة من هذه النظرة المزدرية لها، ويبدو أن مثل هذا الموروث انسرب إلى «الليالي». وظهر، مثلا، في حكاية المرأة التي خطفها جني،ظن أنه يستطيع ترويضها لرغباته، والهيمنة المطلقة عليها، لكن المرأة التي خطفها استطاعت بما فطر عليه جنسها من دهاء ومكر أن تتغلب عليه، وأن تخونه كلما نام وغفل عنها، ويظهر ذلك عندما تلتقي بعابريّ سبيل، إن لم تخني الذاكرة، فتغويهما كي يأثما معها، وبعد أن يفعلا ما أرادت تأخذ خاتميهما، وتضعهما في خيط، يضم عشرات الخواتم التي تدل على عدد المرات التي استغفلت فيها الجني الذي رأى نفسه قادرا على حجزها لنفسه دون شريك، إن المرأة الأولى هي التي أخرجت آدم من الجنة، وإن امرأة العزيز هي التي دبرت ليوسف الذي لم يستجب لغوايتها أمر المكيدة التي ألقت به في السجن. ولكي تؤكد الليالي هذه الترابطات الدلالية التي تسجن المرأة في دائرتها، في مدى الخيانة والغدر، فإنها تضيف حكايات كثيرة لخيانة المرأة التي يتسم جنسها كله بصفات السلب. ويبدو أنني بقدر استجابتي لهذه الصورة السلبية للمرأة في ألف ليلة، دون أن أنتبه إلى أن جنس المرأة هذا يشمل أمي وأختي وقريباتي اللائي لم أر فيهن هذه الصفات السلبية، مضيت على ما أكدته النظرة السلبية إلى المرأة في ظاهر نص ألف ليلة، فقد كنت أصغر من أن أضع أفكاري موضع المساءلة، أو أزن الموروث الذي يؤكده ظاهر الليالي بميزان العقل، إلى أن تعاقبت السنوات، وتركت سنوات المراهقة، إلى سنوات المعرفة الناضجة، والقراءات الواسعة، فأخذت أنتبه إلى أن «ألف ليلة» – ككل نص يشبهها – له ظاهر وباطن، وأن ألف ليلة، من هذا المنظور، تشبه «كليلة ودمنة».

شهرزاد وبيدبا

أعني أن شهرزاد هي الصورة الأنثوية للحكيم بيدبا، كلاهما قرأ ودرى، وجمع بين علوم العرب والعجم، وأتقن معارف الأوائل والأواخر. وكلاهما يواجه بسحر القص سلطانا باطشا، ينتهي الأمر بكليهما إلى ترويضه بما يؤكد انتصار العقل على عنف القوة الجسدية، وكما يحدث في حكايات «كليلة ودمنة» حين تنتظر هاتان الثعلبتان الصغيرتان على أكبر الحيوانات وأضخمها وأكثرها بطشا وفتكا، فإن العقل الذي يمثله بيدبا ينصره على السلطان دبشليم الذي يعنو لحكمة الحكيم في آخر الأمر، ويتخذه مرشداً له ودليلا يقوده إلى الحق والخير والجمال، فإن العقل نفسه الذي تمثله شهرزاد ينتهي إلى النتائج نفسها، فتقوم الحكايات بتقليم أظفار شهريار الوحشية، وقص هذه الأظفار تماما في النهاية، ويكتمل سحر الحكايات بتحويل شهريار من صورته الوحشية إلى صورته الإنسانية مستبدلا – أي سحر الحكايات – بسفاح النساء عاشق الجمال البريء، صاعدا منه إلى المحب الحاني الذي يتخذ من شهرزاد زوجا وحبيبة وأماً لأولاده على السواء.

ولكي تؤكد ألف ليلة هذا المعنى، كما تفعل كليلة ودمنة، فإنها تخلق لممثلي العقل معادلين موضوعيين من جنس الحكي، فتضع حضور كليلة ودمنة في موازاة بيدبا، بينما تضع شخصيات الأسد والثور في موازاة دبشليم، ويحدث الأمر نفسه في ألف ليلة وليلة، حين يضع السرد الجارية تودد في موازاة شهرزاد، وتجعل الكثير من قصص الحب تنتهي بالانتصار على العقبات التي ما كان أحد يتوقع الانتصار عليها، بل تعاقب الآثمين الذين يخرجون على قيم الشرائع، كما حدث في حكاية الأخ والأخت اللذين يقعان في المحظور، ويتعلق كلاهما بالآخر، ويبنيان لهما سردابا تحت الأرض، بعيدا عن رقابة الناس ووالدهما الملك، لكنهما ما كادا يهما بارتكاب زنا المحارم حتى تهب عليهما نار تحرقهما معا، فلا تترك منهما سوى عظام متفحمة، وتحيل كل ما في السرداب إلى رماد، يشهد بأن عين الله لا تنام حتى لو نامت أعين البشر. هكذا ينتصر الخير على الشر دائما،في الليالي، والعدل على الظلم، وذلك في عالم تسقط فيه حدود الزمان والمكان، ويتعايش الإنسان مع غيره من الكائنات التي يعرفها ولا يعرفها، فندخل – نحن القراء – إلى فضاءات تجاوز الواقعية السحرية، كي نجد أنفسنا في مواجهة السحر ورقاه التي تخرج الكائن من صورته الإنسية إلى صورة حيوانية، بفعل ساحرة عجوز، أو ساحر شرير. وتحمل الطيور الضخمة، (ومن ينسى الرخ في ألف ليلة وليلة) الإنسان من مكان إلى مكان آخر بالغ البعد، أو من قمم الجبال إلى الأرض. ويتنكر الشيطان في هيئات كثيرة، منها هيئة الشيخ العجوز الذي خدع سندباد في إحدى رحلاته، وحمله السندباد على كتفيه فأطبق قدميه على رقبة السندباد، ولم يتركه إلا بعد أن احتال عليه السندباد بالشراب من أعناب مسكرة، حتى إذا تعتعه السكر ألقاه السندباد، ضاربا رأسه – أي الشيطان – بحجر، كي ينقذ غيره من شره، وكما نرى تعدد صور الشيطان وتحولات العفاريت، ما بين الخير والشر، نرى حوريات البحر، والبنات اللائي يرتدين الأجنحة، إذا خنّ من ائتمنهن على السر، فالحفاظ على السر كالوفاء على العهد من القيم التي تضرب لها الليالي المثل بعد المثل. ودائما، يتكرر الرقم الثلاثي والسباعي، ابتداء من تعدد السكك أمام المرتحل سكة السلامة، وسكة الندامة. وسكة اللي يروح ما يرجعش. ويبقى الغدر كأنه طبيعة إنسانية مثل بقاء السحر والساحرات. وينطوي الأبطال على رغبة المعرفة التي لا تهدأ، وأوضح ما يكون ذلك في رحلات السندباد، فالسندباد كالإعصار إن يهدأ يمت، وكل رحلة للسندباد اكتشاف لأفق جديد، ولا بد من دفع ثمن رغبة الاكتشاف التي تدني بالسندباد، دائما، من حافة الهلاك، ولكن عناية الله تنجيه، فيما يشبه المكافأة على تأجج رغبة المعرفة في الإنسان، ابتداء من البحث عن التركيب الكيميائي الذي يحيل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وانتهاء بالأسفار التي تجوب الأرض والبحر لتعرف كل ما تزخر به المعمورة الفاضلة من نفائس المعادن والمعارف والحكايات التي تكتب بالإبر على آماق البصر.

السحر يتواصل

ولا أنسى الحضور اللانهائي لصور المرأة الذي كان يسحر عيني الصبي الذي كنته ملتهما الأسطر والصفحات، كأنني واقع في أسر سحر من ذلك الذي وقع على شهريار وعلى دبشليم فتحولا إلى كائنات أغنى وأكمل، وأكثر رغبة في معرفة المزيد من القص، والتحليق أكثر وأكثر في عوالمه التي لم تنته إلا بالنضج، لكن بما يجعل أثر السحر باقيا لا يبلى مع الأيام. وأحسب أن «ألف ليلة» لم تكن غوايتي الأولى فحسب، بل الجسر الذي انتهى إلى اكتشاف الرواية، والمضي في اكتشافها إلى أن أدركت أننا نعيش «زمن الرواية». وهو عنوان الكتاب الذي أثار، ولايزال يثير، الجدال حوله منذ أن صدر سنة 1999.

جابر عصفور مجلة العربي يونيو 2009

وفي الليلة الظلماء يفتقد.. أبو فراس الحمداني

وفي الليلة الظلماء يفتقد.. أبو فراس الحمداني

سعدية مفرح

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وكان شاعرنا بدرا حقيقيا في سماء الشعر الحقيقي، وفي زمان الشعر الحقيقي أيضا، إنه الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي، أو أبو فراس الحمداني الشاعر الأمير، والفارس الأسير، المولود في الموصل سنة 320 هـ / 932 م ـ والمتوفى في حمص سنة 357 هـ / 967 م، والذي مارس حياته القصيرة نسبيا شعرا ونثرا في رحاب القصيدة والميدان، فارسا وشاعرا لا يشق له غبار، في المجالين اللذين بهما تكتمل صورة الرجل في ذلك الزمان العربي الغابر.

سيذكرني قومي

قالها أبو فراس في قصيدة شهيرة فيما يشبه الرجاء، ولكن قومه لم يذكروه، هكذا كتبنا في إحدى مقالاتنا حول حياة هذا الشاعر المجيد، وأضفنا حرفيا أنهم ربما لم يتذكروه، ولكن قوم أبي فراس الحمداني لم يذكروه، وربما لم يتذكروه إلا بعد سنوات أربع، (وقيل سبع) عجاف بالنسبة له وليس لهم بالضرورة، قضاها وراء قضبان الأسر الرومي، ينظم مديحه قصيدا متينا وشفيفا في ابن عمه الأمير سيف الدولة الحمداني ، المنتشي بمدائح شاعر ملأ الدنيا، وشغل الناس، وأسهر الخلق، اسمه المتنبي، لعله يرق لحاله ويتذكره إذا جد جده مثلا، بالرغم من أن الجد قد جد كثيرا في بيئة سياسية، كانت تعج بصراعاتها التقليدية اليومية تقريبا في بحر من الجدية، التي كان أبو فراس يتمنى أن يغرق فيه قومه ليجدوا فرصة للتذكر، إلا أن الذكرى ليست التذكر. وأبو فراس شاعرا كان قبل أن يكون فارسا، فما كان من الحلم إلا أن يكون منهاجه، حتى وهو يرتب قناعاته في سبيل الرجوع إلى قومه، منذ ليلة الأسر الأولى حتى ليلة الأسر الأخيرة، وكانت الذكرى وسيلته المبدئية، هكذا أرادها، لكي تكون حقيقته في سبيل الحرية، لكن العالم، الغارق في بحار الجدية المشتهاة من قبل أبي فراس فارسا وشاعرا، لا يسير وفقا لمنطق الشعراء حتى لو قرروا ذلك، وهم يخططون لمفردات وتفاصيل بيت شعري سيظل يسكن في الوجدان العاطفي لأمة كاملة على مدى عمرها اللانهائي، وسيظل يتذكره كل مكلوم بظنون الخيانات قابع في الغياب بانتظار الفرج من الآخرين. أما الأمير، فإنه مثل أي أمير ينتشي بأحلام الشعر، ويرتوي بأطياف السماوات القصية، ويطرب لزقزقة العصافير وهي تعلن الصباحات في أوقاتها المعلنة، ويغني حين تصطفق بين أضلعه مشاعر منسلة من سياقاته الإنسانية المحضة، لكنه يقرر سياساته ويسوس دولته ورعيته وفقا لمقدراته السياسية ومعطيات واقعه المادي المحض، متكئا على أجندة الحدث اليومي دون أن يلتفت كثيرا لأبجديات الأحلام الشعرية.

تقول بعض كتب الشعر والتاريخ عنه، إن سيف الدولة كان يحبه ويجله ويستصحبه في غزواته، ويقدمه على سائر قومه، وقلده منبج وحران وأعمالهما، فكان يسكن بمنبج ويتنقل في بلاد الشام. وأنه جرح في معركة مع الروم، فأسروه وبقي في القسطنطينية أعواماً، ثم فداه سيف الدولة بأموال عظيمة. وتقول كتب أخرى إن سيف الدولة كان يخاف من طموحه الكبير، مما جعله يتباطأ في تقديم فديته وإخراجه من أسره. وأيًا ما كان الأمر فسرعان ما ظهرت أحلام أبي فراس للعلن بعد سنة من تخلصه من الأسر، حيث توفي سيف الدولة وخلفه ابنه أبو المعالي – سعد الدولة – وهو ابن أخت الشاعر. ويبدو أن أبا فراس حاول الاستيلاء على حمص وتجريب لذة السلطة بشكل مباشر، ولكن ابن أخته – سعد الدولة – كان له بالمرصاد، فقد قضى على تلك الأحلام السلطوية بالقضاء عليه شخصيا. ولأبي فراس ديوان شعر ، جمعه له أستاذه ابن خالويه. وقد طبع مراراً، وأفضل طبعاته طبعة الدهان الحديثة، وفيه منظومات في أبواب الشعر المعروفة في عصره. ولكن أشهر ما فيه وأجمله « الروميات»، وهي القصائد التي قالها وهو في الأسر، ومنها تلك القصيدة الشهيرة، والتي يلح فيها على أن قومه سيذكرونه.

سيذكرني قومي…؟
وإذا جد جدهم أيضا؟

لكن من قال إن القوم يذكرون الشعراء إن جد جدهم؟

هم يتذكرونهم فقط إن أرادوا أن يغنوا، وبين الذكرى والتذكر ما بين الجد والغناء، كأن الغناء هو نقيض الجد، وكأن الجد هو نقيض الحياة، لكنهما معا اقتراح مبكر لسيرة الماء مندهشا بالرمل وسيرة الماء مفعما بالسماء، لوحة بألوان ممزوجة في رونق البقاء، يرتادها الشاعر والمحارب في أغنية واحدة تتردد منذ الأزل.

سيذكرني قومي…؟
ربما، ربما، من يدري؟!!

على الأقل سنتذكره نحن في هذا المقال، الذي نعيد نشر متنه، ونذكر قراء «العربي» به عبر مختارات منتقاة من ديوانه الشعري

سعدية مفرح مجلة العربي نوفمبر 2006

جدارية محمود درويش: من أصغر الأشياء تولد أكبر الأفكار

جدارية محمود درويش: من أصغر الأشياء تولد أكبر الأفكار

علاء الدين حسن

قراءة نقدية

عندما كتب محمود درويش قصيدته الأخيرة, خشي ألا يعيش ليقرأها, فأسماها (جدارية). واستعاد كيانه باستعادته اللغة, ومع ذلك أصرّ على الاحتفاظ باسم قصيدته, ربما إيماناً منه بأنها تستحق أن تعلّق على الجدران كأي عمل عظيم, باعتبارها سجلا للحظات صراع ضد المرض.

(لقد استبدّ فيّ هاجس النهاية منذ أدركت أن الموت النهائي هو موت اللغة, إذ خيّل إليّ بفعل التخدير أنني أعرف وأعجز عن النطق بها, فكتبت على ورق الطبيب: لقد فقدت اللغة, أي: لم يبق مني شيء).

هكذا عدّ محمود درويش في آخر أعماله الشعرية (جدارية) أن الموت هو موت اللغة وعدم القدرة على النطق.

العمل جسّد تجربة شخصية مميزة عاشها الشاعر مع الموت, ومن التجربة الخاصة انطلق نحو العام, ففي مقدورنا, يقول درويش: (أن نجد الخاص في العام, والعام في الخاص). إن صراع هذه القصيدة مع تجربة موت شخصي لم يكن في حاجة إلى الإشارة الواضحة, إلا أن حياتنا العامة هي في حالة صراع جماعي ضد موت الهوية والمعنى, وإن انتصار الشعر منذ كان الشعر, ربما يحمل دلالة قريبة أو بعيدة إلى عالم جديد.

لا شيء يوجعني على باب القيامة
لا الزمانُ ولا العواطف
لا أحسّ بخفة الأشياء أو ثقل الهواجس
لم أجد أحداً لأسأل:
أي (أيني) الآن?
أين مدينة الموتى,
وأين أنا?

وهو هنا يذكّرنا بالشاعر الجزري الذي قال في إحدى قصائده: وأين الأين إذ لا أين?!

نشيد مديح للحياة

وفي مكان آخر يذكّرنا بقمة الشاعر الإنجليزي: ت.س.إليوت, وذلك عندما يستخدم (الأرض اليباب). ولا يبقى له إلا التأمل في تجاعيد البحيرة, فيما أرض قصيدته خضراء عالية تطل علينا من بطحاء الهاوية.

إن الجدارية هي العمل الأدبي الذي يعلّق على الجدار من حيث إنه عمل جدير بأن يحيا, فالمعلقة لها مكانة خاصة في الشعر العربي الأزلي, وهكذا اعتقد محمود درويش أنها آخر مرة يكتب فيها, فلخّص تجربته لأنها نشيد مديح للحياة.

وهذا الشاعر الكبير لأهم قضية, استحق عن جدارة حب الناس, وهذه الشعلة التي أخذ قبسها من ذلك الفجر المضيء, مازالت تتوهّج, وتعيدنا إلى غنائية أخّاذة, أو تدخلنا إلى عالم القلق, وتطرح علينا أسئلة المصير والبحث عن هاجس الذات.

هزمتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعها
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين
مسلّة المصري, مقبرة الفراعنة,
النقوش على حجارة معبد هزمتك وانتصرتْ,
وأفلت من كمائنك الخلودُ…
فاصنـــع بـــنا, واصــنع بنفـــسك ما تريد.

هكذا يكثّف محمود درويش في جداريته ما حاول أن يقول بأساليب متنوعة على مدى القصيدة. إنها لحظة التحدي الأخيرة بين لغة وذاكرة من جهة, ونهاية كانت تقترب بسرعة, فمن غير الشاعر يقدر على منازلة الموت بهذه الحوارية وذاك البوح?

وإذا كان الشعر في أساسه مراناً على الامحاء, فإن الذي فعله درويش هو امتحان اللغة والذات في ميدان ساخن للغاية, من شأنه أن يشدّنا ترقّباً وانتظاراً وخفقان قلب.

في القصيدة نموت ونعيش مع الوحيد في البياض الذي يكرّ ويفرّ, لكنه لا ينسى أن له عملاً على ظهر سفينة نوح المتخطية حدود الطوفان.

بعيداً عن شرفة الموت

محمود درويش في جداريته يتصاعد انتباهاً على شرفة الموت, فيبث إلينا تلك التجربة حكمة آسرة تتباطأ فيها صيرورة الزمن, وسيرورة اللقطات, لنعثر على سفر مبتكر للخلود.

إن درويش يجد نفسه حاضراً ملء الغياب, وكلما فتّش عن ذاته وجد الآخرين, وكلما بحث عنهم لم يجد سوى نفسه الغريبة في زمن ما بعد الحداثة, ولكن أهو الفقيد أم الوليد?

يتلاعب درويش باللغة حيناً, ويستعير بعض جمل التنزيل حيناً آخر, فتأتي شاعريته من ذكاء القلب, ومن فطرة الإحساس بالمجهول, من وردة حمراء في الصحراء, ومعه روزنامته الصغيرة سائراً على خطى (كلكامش) الخضراء, من زمن إلى آخر, حاملاً عن (أنكيدو) عمره ما استطاع.

ومحمود درويش في جداريته – وكما دائماً – مفرشه صهوة القصيدة, وقميصه مسرودة من حديد التحدي, تماماً كالمتنبي, يبدع الحزن الشفيف, يصادق الرمز والأسطورة, كما فعل السياب من قبل, ولا يفقد وضوحه الفني, يلازم الغنائية بثقته المتناهية, ويدير مع الموت حواراً مؤنساً بعمق الموت, علّه ينهي وصايا طرفة بن العبد.

وثمة تصوير حافل بألوان الدهشة, وثمة إيقاع لا يدعنا نغادر حدود الكلمات على مدى أكثر من مائة صحيفة يكون الموت فيها وما يسبقه من مرض وسحاب, هو المحور الأساس, ولكن هل يأتي الموت قوياً, كالفولاذ الذي يقتلع الحياة من جذورها? أم أنه مجرد لحظة صيرورة عابرة?

إن الجدارية هذه تهزّ الكيان الإنساني وتلامس وجدانه لما فيها من صدق وجمالية وعمق في المعنى والمبنى, فالهمّ بلا معنى ومبنى قاتم معتم, ولقد قال درويش ذات مرة: قصـائدنا بلا طعـــم, بلا صوت, بلا لون, إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت.

إنه يبحث في الأنقاض عن ضوء وعن شعر جديد ليرتقي إلى عالم التفاؤل الثوري, ولا يتردّى ألبتة إلى قاع الهزيمة, والثورة في جوهرها إيمان بإمكان تحقيق العدل والخلاص من أسر الظالمين. ولئن كانت الخسائر فادحة, ولئن كانت العصافير بلا أجنحة, فإن الصبر والمصابرة هو مرتكز الانطلاق في ظل القهر والألم. وإذا كان بلاء (أيوب) إلهياً قادماً من السماء, فإن بلاء درويش بلاء أرضي يستدعي التمرّد والزئير, لتبقى أوراق الزيتون مريحة لبصر الإنسان.

إن درويش بصرخته وأجنحته يكشف لنا عن الخطى المديدة, ويدوّن اللحظات النازفة على شواهد الإحراق, لترسم هديراً ونبضاً مشعّاً لقوادم الأيام, منطلقاً من التداعي الحرّ, ومن صورة إلى أخرى يرتبط بعضها بالبعض الآخر, وتكشف عن عالم يكون الجمال فيه ذروة الغاية ومنتهى الهدف, فمن أصغر الأشياء تولد أكبر الأفكار.

إن درويش يشد انتباه العابرين, تمتلئ قصيدته بالخصب والتفكير والتركيز الدقيق دون أي استطراد للزخرفة والتزويق… كلماته غنية بالإيحاء, معها تكبر الأشياء, وبها نصل عالم الرؤى التي إن قدرنا على تأويلها تصبح الأصوات مسموعة, وتتحوّل المشاهد المترامية إلى وجد ناطق بالحكمة وصدق الاغتراب, على أن رؤية درويش الواقعية هي رؤية مأساوية تنبثق من خلالها آلاف السنابل والنسمات التي لا تصدها زحمة العمارات.

هذا هو الأساس الذي يعكس ثبات الموقف دون أدنى درجات التردد متخطيا حدود العقبات.

إغواء الأساطير

وإذا كان مبصر المعرّة قد طرد نقّاده من قصيدته: (لست أعمى لأبصر ما تبصرون), فإن نهراً واحداً يكفي ليهمس (درويش) للفراشة, وليغوي الأساطير القديمة بالبقاء, لقد أخذ الرعاة حكايته وتوغّلوا في العشب فوق مفاتن الأنقاض, وأورثوه بحّة الذكرى على حجار الوداع.

إن القارئ يأتي الجدارية ويخرج منها حاملاً نكد السنين, مثقلاً بالرماد, وبعد أن يكون قد فرغ من القصيدة يشعر وكأن عليه أن يعود من جديد, لما تترك على العقل من رنيم الأفكار, ولما تترك في القلب من أنساق الدهشة, وبهذه الوقدة الحالمة نؤثر الصوت على الصمت, ولا نلعن العتمة وإنما نسارع إلى النبض المضيء حتى يثمر الموت تسانيم الحياة.

وبعد:

فإن محمود درويش صاحب مخيّلة خصبة, وعاطفة عميقة, وقلب حالم, ونظرة إنسانية ملأى بالحب, ولا ريب أن ما حقـــقه إلى الآن يبــــشّر بالكثير الذي يمكن أن ينـــجزه في قادم الأيام إن شاء الله.

علاء الدين حسن مجلة العربي يونيو 2002

أبو سلمى.. جذع الشعر الفلسطيني

أبو سلمى.. جذع الشعر الفلسطيني

سعدية مفرح

في لحظة تاريخية نادرة، وعلى سفح الشعر الوطني الفلسطيني خاطب الشاعر «الشاب» محمود درويش الشاعر «الشيخ» أبا سلمى قائلا له: «أنت الجذع الذي نبتت عليه قصائدنا»..
ولم يكن درويش يبالغ أو يمارس واحدة من لياقاته الشعرية الشهيرة وهو يقول ما قال، بل كان يشير إلى ذلك الأثر الكبير الذي تركه شاعر بحجم أبي سلمى في تجارب كل شعراء فلسطين اللاحقين له في زمن القصيدة، خاصة أنه عاش طويلا، وكان شاهدا على تحولات القضية الفلسطينية منذ البداية حتى النهاية.. ولا نهاية لها أو له على أي حال.

ولد عبد الكريم سعيد علي منصور الكرمي الملقب بأبي سلمى لأسرة تحتفي بالعلم والتعليم، العام 1909م في طولكرم، ومنها استمد كنيته ودرس فيها مراحل الدراسة الأولى قبل أن ينتقل إلى حيفا التي صارت عنوانه الفلسطيني الأثير، أما عنوانه العربي فهو دمشق التي لجأ إليها بعد نكبة العام 1948م، مع أسرته ليكمل المراحل العليا من الدراسة ويبقى فيها حيا وميتا بعد ذلك. وبين عنوانيه الفلسطيني والعربي بقيت القصيدة هي العنوان الأكثر دلالة على مكان الشاعر ومكانته أيضا.

فبعد أن تلقى الكرمي دراسته الابتدائية في مدارس طولكرم انتقل مع عائلته إلى دمشق حيث أنشأ والده العلامة اللغوي الشهير مجلسا ثقافيا سرعان ما احتشد برجالات الثقافة والأدب واللغة المقيمين في دمشق. وقد استفاد الكرمي من حضور ذلك المجلس وما يدور فيه من نقاشات ثقافية ساهمت في تكوينه الفكري مبكرا. وقد استأنف رحلة التكوين لاحقا عندما أكمل دراسته في مدارس دمشق، مما أهله للعمل معلما في مدارس القدس بعد عودته إلى فلسطين حيث انتسب بالإضافة إلى عمله إلى معهد الحقوق في القدس ونال منه شهادة المحاماة.

وكان أبو سلمى قد اشتهر شاعرا من أجل قضية فلسطين، وحين نشرت له مجلة الرسالة القاهرية قصيدة «يا فلسطين» التي هاجم فيها المحتل البريطاني العام 1936م استدعاه مدير التعليم البريطاني في فلسطين، وأبلغه قراره بفصله من العمل. لكن صديقه الشاعر إبراهيم طوقان الذي كان مسئولا في الإذاعة الفلسطينية آنذاك دعاه للعمل في الإذاعة، حيث استمر يعمل فيها إلى إن استقال وافتتح مكتبا للمحاماة في مدينة حيفا خصصه للدفاع عن المناضلين المتهمين من قبل قوات الاحتلال بتهم تتعلق بالنضال الوطني. وبقي يزاول عمله في ذلك المكتب حتى العام 1948م، حيث غادر إلى دمشق مضطرا، وهناك عمل في المحاماة والتدريس، ثم بوزارة الإعلام السورية وأسهم في العديد من المؤتمرات العربية والآسيوية والإفريقية والعالمية.

وعلى الرغم من أن أبا سلمى قد تزوج ورزق ببعض الذرية فإنه لم ينجب سلمى أبدا، فبقي ذلك الاسم مجرد لقب شعري اتخذه لنفسه وهو على مقاعد الدراسة ورافقه في رحلته الشعرية والوطنية حتى صار اسمه الأشهر.

وزع أبو سلمى مشاعره الوطنية ومواقفه السياسية على تلك القصيدة التي بقيت وفية لقضيتها الأولى، حتى وهي تتوسل رموزا مختلفة لها. فقد قسم الشاعر ديوانه الضخم إلى قسمين جعل تاريخ النكبة هو الحد الفاصل بينهما تاريخيا. ولعله يعلم أن ذلك التاريخ هو الحد الفاصل فنيا أيضا. فقد تحول ذلك الصخب الهادر في قصائد القسم الأول إلى شجن آسر في قصائد القسم الثاني أي أنه تحول إلى ما يشبه الأسى على ما حل بوطنه ليس على يد العدو الصهيوني وحسب، بل على يد الأنظمة العربية التي رأى أنها قصرت كثيرا في حماية هذا الوطن المنكوب بشكل مضاعف. وكانت تلك القصيدة شاهدة على التاريخ المتحرك للقضية الثابتة في الوجدان العربي الوطني المعاصر بشكل واضح وضوح الشاعر في شعره.

وجه أبو سلمى خطابه الشعري غالبا للجماهير العربية العريضة متوسلا واو الجماعة المغلوبة على أمرها، تحت وطأة تلك القيادات العربية المتآمرة على الشعوب والأوطان في سبيل مصالحها الخاصة، وكراسيها المعلقة برغبة المحتل وحده. ولم يقصر الشاعر الحماسي في تقريع تلك القيادات بشكل أوهن قصيدته وأسلمها للمباشرة والتقليدية.

ولعل قصيدته الشهيرة «لهب القصيد» المكونة من 64 بيتا من الشعر، والتي انتشرت انتشارا غير مسبوق في الأوساط الأدبية والنضالية العربية عند نشرها لأول مرة دلالة على قدرة الشاعر على مخاطبة الجماهير العربية بسلاسة ويسر وعلى التأثير فيها وإثارة مشاعرها الملتهبة أصلا.

توفي أبو سلمى في الولايات المتحدة الأمريكية يوم الحادي عشر من أكتوبر العام 1980 بين يدي ابنه سعيد الذي كان يعمل طبيبا هناك، حيث حاول وقف النزيف الذي أصاب والده إثر عملية جراحية سبق أن أجراها في العاصمة السوفييتية موسكو، لكن دم الشاعر استمر في النزيف إلى أن مات.

ثم نقله سعيد ولده ليدفن في مخيم فلسطيني بالقرب من العاصمة السورية دمشق،بناء على وصيته الأخيرة، حيث شيع على صدى قصائده الهادرة التي رددتها حناجر الجماهير العربية في موكب جنائزي مهيب يليق بالشاعر الذي ترك وراءه عددا من المؤلفات الشعرية والمسرحية وغيرها ومنها ؛ «المشرد»، و«أغنيات بلادي»، و«الثورة»، و«أغاني الأطفال»، و«كفاح عرب فلسطين»، «أحمد شاكر الكرمي»، و«في فلسطين ريشتي»، وفي العام 1978 صدرت مجموعته الشعرية الكاملة.

سعدية مفرح مجلة العربي يناير 2013