الهدية.. قصة قصيرة .. بقلم خديجة الأصبحي

الهدية..

كل شيءٍ مرتب ومهيأ..إنه يوم عيد ميلادي، وهذا الكرنفال الجميل هو ما يليق به، ينبع إهتمامي بهذه المناسبة كونها تحفز قدراتي على المضي قدماً في طريق تحقيق أحلامي، فالعالم يتجه للأمام.. وكذلك أعمارنا، وعلينا ملء فراغاتها بالنور لتحقيق طموحاتنا.

صديقتي (سعاد) ضمن من أتى ليشاركني مغمور البهجة بهذه الفرحة، اعتنقتها بعمق..فلطالما اشتقت لها كثيراً، وهي الغائبة عني منذ أكثر من عام بسبب موجات نزوح تسببت بها الحرب، لهفتي كانت عارمة بعد المصافحة التي منحتني عطر ألقها، سلمتني هديتها، قلت لها مداعبة:
“يكفي أنتِ، فرؤيتك أجمل هدية”.
كانت هديتها مغلفة بغلاف مخملي جميل وأنيق يسر الناظر، جذب اللون انتباهي، شدني إلى مدى قصي في قعر ذاكرتي وكنت غارقة في فتنة تلك الألوان التي أحبها.
سلمت الهدية لأختي الصغرى، ومضيت متجهة إلى استقبال صديقة أخرى تدلف من الباب، لكن سعاد لحقت بي مسرعة قائلة لي: “الهدية”.قلت لها:
“سلمتها لأختي” قالت:
“إياك أن تتركيها لابد أن تفتح الهدية الآن”. تأملتها..ثم قلت لها: “الوقت مزدحم دعيها مساءً، سأفتحها قبل كل الهدايا وبكل عناية، إنها منك حبيبتي”. قالت:
“حينها ستكون قد ماتت” سألتها باستغراب:
“ما المقصود؟” أجابت:
“الهدية” قلت لها:
“وهل تموت هدايا الأحبة إنها تحيا بنا ومعنا..”.
وتحت إصرارها أتجهت لاحقة بأختي موجهة خطابي إليها:
“من فضلك أعيدي إلي الهدية..”.
تناولت الهدية ووضعتها على الطاولة، أخذت برفق غلافها المخملي الجميل..تراقص الفرح في عيني وأنا أحدق فيما داخل القفص، يبادلني نظراته وأطلق للصدى ترانيمه، اخذ يتجول داخل القفص مزهواً بنفش ريشه الناعم، أما أنا فغارقة عما حولي بروعة الهدية، الكل حولي يشاطرني الإعجاب، زغاريد تتناغم مع رقصٍ يجيد إمتاع مشاهديه.
اتجهت إلى صديقتي سعاد:
” شكراً حبيبتي كم هو رائع حقا أن أتلقى هدية فيها روح ولحم ودم وريش..”. فتحت باب القفص، صببت ماء دافئ وحبات (دخن)..
تحول الكرنفال من عيد ميلادي إلى احتفاء بعصفور ملأ المكان بهجة.
عدتُ بذاكرتي إلى ما قبل عشرين سنة، حينها كان أبي قد أهداني عصفوراً جميلاً بناءاً على طلبي المتكرر له، كنت حينها في باكورة شبابي، لكني تركت ذلك العصفور دون اعتناء، أهملته كثيرا، تركته دون ماء ..حينما استيقظت يوما ما من نومي ..ذهبت لأتفقده فإذا به قد فارق الحياة..تألمت كثيرا حينها وأجهشت بالبكاء ..حزنت عليه كثيرا أحسست بتأنيب ضمير..كيف فعلت ذلك وكيف سمحت له أن يموت دون أن افعل أي شيء ينقذ حياته. ماتت هدية أبي وكنت أنا المتسببة في ذلك، قضيت مدة أسبوع وأنا ابكي على فقدان عصفوري، كانت تلك الحادثة نهاية حقبة، حيث لم يدخل بيتنا بعدها حتى اليوم إلا عصافير صناعية لا روح فيها، خاوية كروح العصر المادي.
صحوت من ذاكرتي وأنا محاطة بالصديقات والأهل والكرنفال الاحتفالي بعيد ميلادي يتواصل في ألقه الجميل كما هو مقرر ومخطط له، كنت أرى الأشياء أمامي تزدهي، لكن بالي عميقاً عند العصفور الذي أضحى يشاركنا الاحتفال.
أتممنا مراسم الحفل، عام جديد وعصفور أنيق كفاتحة لخير هذا العام.
نمت علاقتي به..حاولت أن أعوض حزني على ما فاتني من إهمالي في عصفوري الأول، غدا إهتمامي به جزء من حياتي اليومية , أتفقده باستمرار، امنحه الأغطية اللازمة كي لا يتسلل تيار الهواء البارد إليه.
كنت أتأمله أحيانا فأقرأ في أنفاسه الهادئة وعينيه الحائرتين ثمة لغز وهو يتأمل الزوايا، عندها أدركت أنه ناتج شعوره بالوحدة..آه كم تؤلم الوحدة أرواحنا فنحن دوما بحاجة إلى الاكتمال.

في أثناء سيري متجهة إلى بيتي عائدة من عملي قفزت لي فكرة أن اتجه إلى محل بيع العصافير لشراء أنيس لعصفوري..دخلت المحل.. أخذت أتأمل العصافير المتنوعة.. همي البحث عن عصفور يشبه عصفوري..وأخيرا وجدته يا للروعة كان هو المطلوب حسب تقديري،
لم أتردد كثيرا دفعت لصاحب المحل ثمن العصفور ومضيت مسرعة إلى البيت..، فتحت باب القفص أخذت العصفور الجديد إلى قفص العصفور السابق وأخذت أرقب المشهد.
قدمت المزيد من الماء والحبوب كضيافة للعصفور الجديد وزيادة لكليهما معاً، شيء من الفتور الشديد يسود العلاقة بينهما، جفاء وتباعد كل منهما منزو في زاوية.
قلت في نفسي:
“بعض الوقت قد يمر كي يألفا بعضهما”. دخل الليل بسكونه واستمر سمرنا، حان وقت النوم أطفئنا الأنوار.
وفي صباح اليوم التالي قمت مبكرة إلى عش العصافير، وجدتهما كما كانا كل منهما يتخذ لنفسه جناح داخل نفس القفص، كنت قد اعتقدت أن الليل قد وحدهما وأنهما قد وجدا فرصة للتعارف أكثر.
مر أسبوع والحال كما هو أحسست أن ثمة خطاء..وأن علي أن أعيد ذلك العصفور إلى البائع واشتري أخر، فقد أثر على عصفوري الأول فلم يعد إلا ساكنا منزويا بلا زقزقات ولا ترانيم .
أرتديت عباءتي، ومضيت حتى محل بيع العصافير، شرحت لصاحب المحل الأمر،فقال:
“لدينا عصفور أخر خذيه لعله يكون المطلوب”. أشتريته وعدت للبيت وأنا بين التفاؤل واليأس.
في البيت جمعتهما معا.. لم يمضي وقتاً حتى بدأ التعارف والتآلف بادياً على حياتهما، كانا معا لم ينزويا بعيدا، بدأ كل منهما في التودد للأخر، أحدهما يبادر في تقديم حبات الدخن للأخر، أدركت حينها أن عشقا جميلا ينمو.

بعد شهر كان لدينا زوج جديد قد ولد من رحم ذلك العشق. حينها تذكرت ماقالته أمي في ذات يوم:
“بعض الهدايا ميلاد بحد ذاتها، بما تخلقه من فرح تتكامل مفرداته” في حين كانت أمي تحدثني وتنظر نحو العصافير:
“ما يشبهك يبقى لك، ولا يسعدك ما لا يشبهك”.

خديجة الأصبحي

الكاتب المحرر الثقافي

المحرر الثقافي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة