عجوز متكوِّرة .. بقلم/أميرة زيدان

عجوز متكورة.…
 – نعم .. نعم حددت الهدف بدقة..
– الآن… قم بتنفيذ العملية..
– أرجوكم.. لااااا… لااااا (أصرخ بقوة قبل أن أن ابتلع لساني).
(ضحكات مقيتة) تخرج من ثقوب نافذة مهترئة، على عتبات النافذة يسيل لعاب الخوف من رأسه حتى أخمص قدميه، والرعشة تهدهد أوصاله.
(دوت صرخات ممزقة، بقايا أنفاس لاهثة مستعرة، وزمجرة روائح البارود على من تبقى، يخترق بياض الرماد أوصال الظلام.. )
– لا.. لا.. ياسيدي ، يبدو أننا أخطأنا المكان بمسافة متر فقط ، فالبيوت متراصة.
انفعل وبدا على وجنتيه احمرار الغضب.
– عليك السام.. أعد التحقق وأرسل قذيفة أخرى .
– آه.. آه.. تستحقون ألف جآن، حين تنفخون الهمة في قلوب واهية.. (حادثت نفسي بتمتمات واهية)
( في الغداف الدامس الناس يتجمعون، سيارات الإسعاف تتناوب، صوت أزيز الطائرة يحلق… ، لم تمر ثانية صاروخ آخر يعشق بيوتا ملأ، يشتهي أن يأكل الجثث بمخالب دامية، رقصات الألم تجوب ذلك الشارع، خمس بيوت تهدمت ، احترق كل شيء، أكل حقدها اليابس والأخضر، الجثث توزعت على الحارات، نصها الأول في نفس الشارع، والنصف الآخر يستلقي على أريكة الغياب في حارة أخرى.. يزين الشارع أصوات التباكي والعويل، واصفرار حزن الثكالى يقاوم النيران الملتهبة.
(أصوات تتقادم)
-ماذا عملت؟
-بشرني مالآخبار؟.
– أنجزت المهمة يا سيدي، فقد نفثت في أرواح تلك الحارة سموم صواريخنا…
(أحاول سماع الحديث، أقترب أكثر ..فأكثر.. زافرا كل خلايا الخوف من صدري)
تزايد الصراخ، أفواج من الناس تتدافع من كل جانب لحجز المقاعد، لسماع شخص ما.
حرضني فضولي بشدة لمعرفة السبب، وبلا شعور وجدتني أهرول باتجاه مكان التجمهر، فجأة جميع الأصوات أطبق عليها السكون، أفواههم فاغرة ، و امرأة تخطو نحو الخمسين من عمرها، تجاعيد وجهها وعظامها بارزة .. تخطو نحو النهاية، أخذت اتلصص بعيني تحت الغطاء، أجدني أنا تلك المرأة العجوز متكورة تحت سقيفة أحزاني صدى صرخات أناتي تهز وجدان من حولي، ونظراتي تجوب صفحة الفراغ المتكوم داخل تلك الحارة، منتزعة من ذاكرتي الصدئة سؤالا لازلت أعيش من أجله.. هل سيعود ابني ؟.
أميرة زيدان.

الكاتب المحرر الثقافي

المحرر الثقافي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة